فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 828

ومن أنواعه: أن يكون على وجه التشبيه، السابق على وجه الكناية، هنا على وجه التشبيه، ويكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه، نحو قولهم: لئن سألت فلانًا لتسألن به البحر .. لئن سألت فلانًا من الناس لتسألن به البحر، بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرًا في السماحة، البحر يدل على الاتساع، كأنه لسماحته وجوده وكرمه، أنه لا يرد سائلًا، كأنه بحر، فانتزع البحر من هذه الشخصية التي بلغت الغاية في الكمال.

وفي المرشدي:"بالغ في اتصافه بالسماحة، إن كان المراد بالسؤال رفع الحاجة، أو بالعلم إن كان المراد به رفع الجهل"يعني: لئن سألت فلانًا .. سألت يحتمل ماذا؟ يحتمل المال، ويحتمل معنىً آخر وهو العلم، والبحر كما يطلق على الجواد في الماء كذلك يطلق على العالم، يُقال للعالم: هذا بحرٌ، يعني: متسعٌ في العلم، فجوز المرشدي أن يكون هذا المثال مرادًا به السؤال .. المال مثلًا والجود والكرم، وقد يُراد به السؤال في العلم، حتى انتزع منه بحرًا تشبيهًا له به، شبه هذا الشيء بالبحر، فيما جُعل وجه الشبه، وهذا الانتزاع للتخييل، يعني: أمر متخيلٌ في الذهن، إن كان كرمه أو علمه بلغ غايةً يمكن أن ينتزع منه البحر الذي هو الغاية في ذلك، فانتزع من ذات المشبه نفس المشبه به كأنه هو، وهذا أبلغ أقسام التجريد، أبلغ يعني: أعلاه، لماذا؟ لأنه كالاستعارة، الاستعارة هنا قلنا: ندعي أن المشبه من جنس المشبه به، كأنه عينه، هنا كذلك كأن البحر هو عين هذا الشخص إذ هما شخصٌ واحدٌ لا شخصان.

ومنها ما يكون بالباء، من أنواع التجريد ما يكون بالباء الدالة على المعية والمصاحبة، الداخلة على المنتزع، كقوله:

وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى بِمُستَلئم مثل الفَنِيِق المُرَحَّل

أي: تعدو بي ومعي، وشوهاء تعدو بي ومعي، يعني: الباء هنا تفيد ماذا؟ تدل على المعية والمصاحبة، أي: تعدو بي ومعي من نفسي لا بس درعٍِ له كمال استعدادٍ للحرب، فقد بالغ في استعداده للحرب حتى انتزع منه مستعدًا آخر لابس درعٍ، وشوهاء تعدو بي، يعني: أراد بأن هذا الشخص قد استعد للحرب استعدادًا تامًا، فانتُزع منه شخصٌ آخر قد بلغ الغاية في هذا الاستعداد، دل على أن المنتزع منه قد بلغ الغاية في الاستعداد.

ومنها: ما يكون بدخول (في) .. حرف (في) على المنتزع منه، نحو قوله تعالى: (( لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ) ) [فصلت:28] لهم فيها يعني: في النار .. جهنم، دار الخلد، دار الخلد هي جهنم عينها، كأنه انتزع من جهنم شيئًا أطلق عليه بأنه دار، وإلا هي عينها. أي: في جهنم وهي نفسها دار الخلد، لكنه انتزع منها دارًا أخرى، كأن دار الخلد ليست هي عين جهنم، بل هي عينها، لكن ماذا أراد؟ أراد أن هذه الدار قد اختصت بهم من شدة العذاب، ولذلك قال: دار الخلد، أضافها إلى الخلود، أي: في جهنم وهي نفسها دار الخلد، لكنه انتزعه منها دارًا أخرى، وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلًا لأمرها ومبالغةً لاتصافها بالشدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت