ومنه قوله تعالى: (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) ) [الأحزاب:21] هذا الذي نذكره دائمًا في مقام الأصول (( فِي رَسُولِ اللَّهِ ) ) [الأحزاب:21] يعني: في ذاته، وأطلق هنا فشمل القول والفعل والترك، وهنا قال (في) الدالة على الظرفية، يعني: في ذاته، أسوةٌ أي: قدوة، حينئذٍ لا نحتاج إلى أن نقول: بأن الفعل مقدمٌ على القول وإلى آخره مما يذكره كثير من الأصوليين، بل كله عليه الصلاة السلام قولًا وفعلًا وتركًا هو أسوة وقدوة في ذلك.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسوةٌ، أي: قدوة، هكذا قال المرشدي، قال في الإيضاح:"ولا يبعد أن تسمى (في) هذه تجريدية، وإن لم يسموها بذلك"يعني: (من) التجريدية و (باء) التجريدية و (في) التجريدية، وهي عينها التي تذكر في باب النحو، لكن هنا في مقام الاصطلاح، لما أفادت ما أردناه من تجريد هنا سميت وأضيفت إلى هذا الاصطلاح.
ومنها .. من أقسام التجريد: ما يكون بدون توسط حرفٍ ومدخلية كناية، ومخاطبة الإنسان نفسه، يعني: فيه نوع تجريد لكن بدون واسطة حرف، وما سبق من الأنواع الثلاثة فيها واسطة حرفٍ، وفيه شيءٌ من الكناية أو التشبيه، وسيأتي النوع الثاني ما يكون الإنسان مخاطبًا لنفسه، وهنا ليس الأمر كذلك، كقول الشاعر:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوةٍ تحوي الغنائم أو يموت كريم
لئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم، يعني: تجمع، أو يموت: هذه أو التي ينتصب بعدها الفعل المضارع بـ (أن) مضمرةً وجوبًا، يعني: إلى .. إلا أن يمو، أي: إلى أن يموت كريمٌ، وأراد بالكريم نفسه، فكأنه انتزع من نفسه كريمًا مبالغةً، فلئن بقيت لأرحلن إلا أن يموت كريم، من هو الكريم؟ هو الذي قال: لئن بقيت، هو نفسه عينه، هذا يسمى تجريدًا لم يستخدم فيه حرفًا ولا كنايةً، ولم يكن مخاطبًا لنفسه.
والنوع الثاني من نوعي التجريد: ما يكون بغير حرفٍ ولا قصد تشبيه، ويسمى: بمخاطبة الإنسان، يعني: كأنه يخاطب نفسه، وهو أن يخاطب الإنسان نفسه بعد تجريدها، ليس وسوسةً وإنما يتصور من نفسه شخصًا آخر فيخاطبه: اتق الله إلى آخره، فنقول: هذا نوعٌ من أنواع البديع، وهو أن يخاطب الإنسان نفسه بعد تجريدها عن ذاته، يستخلص وينتزع من نفسه شخصيةً أخرى فيخاطبها، فتكون متصفة بما أراد الخطاب به، كأنها غيره، معتبرًا أنها شخصٌ مثله في الصفة التي سيق لها الكلام، والمبالغة التي يقتضيها التجريد في هذا النوع بادعاء بلوغ النفس مرتبةً من كمالها، أو من كمال الإدراك يتصور معها أن فيها نفسًا أخرى.
ومن أحسنه قوله تعالى: (( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ) ) [النحل:111] صيرها لشدة جدالها كأنها تجادل عن غيرها، (( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ) )نفس تجادل عن نفسها، يعني: لشدة الجدال والدفاع كأنه يجادل عن شخصٍ ليس هو عينه .. ليس هو نفسه، بل هو شخصيةٌ أخرى.