فهرس الكتاب

الصفحة 737 من 828

وهذا المعنى الثاني يجب ألا يكون مُصَرَّحًا به .. هذا قطعًا، وإلا ما صار تضمين ولا صار إدماج، ولا يكون في الكلام إشعارٌ بأنَّه مَسوقٌ لأجله، وإنَّمَا يَتَكلَّم المُتَكلِّم ويريد المعنى الأصلي، ثُمَّ المُخَاطَب هو الذي يحمل ذلك الكلام على معنَىً آخر .. هو الذي يُضَمِّنُه، مثال قول الشاعر: (أُقَلِّبُ فِيهِ) يعني: في الليل ..

أُقَلِّبُ فِيهِ أَجْفَانِي كَأَنِّي ... أَعُدُّ بِها عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوبَا

فإنَّه ضَمَّنَ وصف الليل بالطول - هو أراد أن: (أُقَلِّبُ فِيهِ) يعني: لطوله - ضَمَّنَه معنَىً آخر، والكلام لم يسق إلا للأول، يعني: بيان طول الليل، وأنَّه قَلَّب فيه أجفانه لطول الليل، ضَمَّنَه الشِّكَايَة من الدَّهْر .. يشكوا الدَّهْرَ، يعني: لكثرة تقليبي لأجفاني في ذلك الليل، كأنِّي أعُدُّ على الدَّهْرِ ذنوبه.

طبعًا هذا حكم الشرع معلوم: الشِّكَايَة من الدَّهْر، وتعليق الأحكام بالدَّهْر .. هذا معلومٌ حكمه!

وفيه أكثر من معنَىً واحد:

وَلا بُدَّ لِي من جَهْلَةٍ فِي وِصَالِهِ ..

يعني: المحبوب.

فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الْحِلْمَ عِنْدَهُ ..

إذًا: في البيت السابق أراد الشاعر أن يُبيِّن طول الليل، وأنَّه أصابه الأرق فَقَلَّبَ أجْفَانَه، ضَمَّنَه الشِّكَايَة من الدَّهْر، هنا ضَمَّنَ الغَزَلَ الفَخْرَ لكونه حَليمًا، لأنَّه قال:

فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الْحِلْمَ عِنْدَهُ ..

يعني: عنده حِلْم، لكن ما وجد خِلاًّ يُودِع الحِلْمَ عنده، فإنَّه أدمج - أو ضَمَّنَ - الغَزَلْ .. من أين أخذنا الغَزَلْ؟ قالوا: (فِي وِصَالِهِ) يعني مَحبُوبه، أراد أن يُوصِلَه، ولا يُمكِن أن يُوصِلَه إلا إذا تَجَاهلَ شيئًا ما:

وَلا بُدَّ لِي من جَهْلَةٍ فِي وِصَالِهِ ..

لأنَّه سَيُخطِئ عليه المحبوب، فلو عَامَلَه بِالضِّدْ، أو: كُلَّمَا وقع في خَطأ عامله بِمَا اقتضى ذلك الخطأ لَمَا بقي معه، ولَكنَّه لا بُدَّ من التَّجَاهُل، إذًا: هو يَمدح محبوبه، فقال:

وَلا بُدَّ لِي من جَهْلَةٍ فِي وِصَالِهِ ..

فإنَّه ضَمَّنَ الغَزَلَ بِمحبُوبه الفخر، افْتَخَرَ بِماذا؟ بكونه حليمًا، حيث كنى عن ذلك بالاستفهام عن وجود خَليلٍ صَالحٍ لأن يُودِعَه حلمه، يعني: افْتَخَر بأنَّه حليم، ولَكنَّه ما وجد خِلاًّ صالحًا لذلك الحلم، وضَمَّنَ الفخر بذلك شكوى الزمان، لأنَّه قال: (فَمَنْ لِي بِخِلٍّ) إذًا اشتكى الزمان بِقلَّة الإخوان.

وهذا المعنى ليس مُرادًا، وإنَّمَا أراد أولًا أن يفتخر بكونه حليمًا، ثُمَّ لَمَّا قال: (فَمَنْ لِي بِخِلٍّ) دَلَّ على أنَّه يشتكي الزمن بِقلَّة الإخوان، هذا المعنى الثاني لم يُسَق الكلام من أجله، وإنما أدمج فيه.

وضَمَّنَ الفخر بذلك شكوى الزمان بِتَغيُّر الإخوان، حيث أخرج الاستفهام مخرج الإنكار: (فَمَنْ لِي) ، تنبيهًا على أنَّه لم يبق في الإخوان إلا خَوَّان - يعني: بالجملة - وقد نَبَّه بذلك على أنَّه لم يعزم على مفارقة حلمه أبدًا، لكن لَمَّا كان مُرِيدًا لوصل هذا المحبوب الموقوف على الجهل المنافي للحلم، عَزَمَ على أنَّه إن وجد من يصلح لأن يُودِعه حلمه أودعه إياه، فإن الودائع تستعاد آخر الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت