الشاهد بقوله:
فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الْحِلْمَ عِنْدَهُ ..
أراد الفخر بأنَّه حليم، وضَمَّنَه الشِّكَاية من قِلَّة الإخوان .. (الشِّكَاية من قِلَّة الإخوان) هذا معنَىً سِيِقَ وأدرج في هذا المعنى الذي لم يسق الكلام الشاعر من أجله.
إذًا: (والإدْمَاجُ مِنْ ذَا العِلْمِ) .
ثُمَّ قال - رحمه الله تعالى: (وَجَاءَ الاسْتِتبَاعُ) المجيء هنا معنوي، يعني: جاء موضعه، وأنَّه لقبٌ من ألقاب (المَعْنَوِيْ) ، (وَجَاءَ الاسْتِتبَاعُ) أي: معدودًا من (المَعْنَوِيْ) ، (الاسْتِتبَاعُ) السين للطَّلَب، الأصل فيه: تبع الشيء تَبَعًا سار في أثره أو تلاه، هذا من حيث المعنى اللغوي.
وهو في الاصطلاح: المدح بشيءٍ على وجهٍ يستتبع المدح بشيءٍ آخر، ويُسمَّى: الوجه، أيضًا عند بعضهم، أي: المدح بوصفٍ على وجهٍ يستتبع، أي: يقتضي أن يكون تابعًا له المدح بوصفٍ آخر، غير هذا الوصف المذكور أولًا، يعني: يأتي بِمدحٍ، ثُمَّ يقتضي هذا المدح أن يذكر شيئًا آخر، فالثاني كاللازم للأول، ليس المُلازمة المنْطقيَّة وإنَّمَا كالتابع، لأنَّ الأول يقتضيه.
مثاله قول المتنبي:
نَهَبَتْ من الأَعْمارِ ما لَوْ جَمَعْتَه ... لَهُنِّئَتِ الدُّنْيا بأَنَّكَ خَالِدُ
مدحه بالنِّهَايَة في الشَّجَاعَة، إذْ كَثُرَ قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم لخُلِّدَ في الدُّنْيا، بِمعنى: أنَّه طال مُكْثُه فيها، وذلك على وجه استتبع مدحه بكونه سببًا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جعل الدنيا تُهنِئَه بِخلوده، لأنَّه قال:
نَهَبَتْ من الأَعْمارِ ما لَوْ جَمَعْتَه ..
صرت خالدًا، يعني: لو قتلت زيد وعمرو إلى آخره، لو جمعت أعمارهم لورثت الخلود في الدنيا، بِمعنى: طال مكثك، هذا يقتضي أنَّه صالح في نفسه، وأنَّ نَهب الأعمار هذا سَبَبٌ لصلاح الدنيا، بدليل ماذا؟
لَهُنِّئَتِ الدُّنْيا بأَنَّكَ خَالِدُ ..
ولا يُمكن أن تُهنِئَه الدُّنْيا إلا إذا كان فيه فائدة، والمُراد بِتَهنئَة الدنيا هنا: تَهنِئَة أهلها، فَدَلَّ على أنَّ قتله لهم ليس ظُلمًا، وإنِّمَا هو من أجل الصلاح والإصلاح.
مدحه بالنَّهَايَة في الشِّجَاعَة، إذ كثر قتلاه بِحيث لو ورث أعمارهم لخُلِّدَ في الدُّنْيا، وذلك على وجهٍ استتبع مدحه بكونه سببًا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جَعَلَ الدُّنيَا تُهنِئَه بِخلوده، إذ لا معنى لتهنئة أحدٍ بشيءٍ لا فائدة له فيه، ويظهر ذلك إذا قسته بقولك: نَهَبْتَ من الأعمار ما لو اجْتَمعَ لك لبقيت مُخلَّدًا، يعني: حذفت تَهنِئَة الدنيا .. ليس فيه استتباع، وليس كالبيت السابق.
قيل: وفي البيت وجهان آخران من المدح:
أحدهما: أنَّه نَهَبَ الأعمار، والأصل في النَّهْب إنَّمَا يكون لأخذ كل الأموال، وهنا قال: (نَهَبَتْ من الأَعْمارِ) والأصل أن نقول: نَهَبْتَ من الأموال، هذا دَلَّ على أنَّه يُنْبِئ عن علو الهِمَّة أو كمال الغنى، يعني: أنت غَنِي، أو هِمَّتُك عالية لا تَتَعلَّق بالأموال، بحيث لا حاجة له إلى المال.