يَحتمل: إمَّا أنَّكَ تُرِيد العَوْرَاء كالصَّحِيحة، إذًا تصح، ويَحتمل العكس: أن تكون الصحيحة كالعوراء، فِإنَّه يَحتمل المدح: بأن يُحسن الخياطة، فيَتمَنَّى إبصار عينيه لزيد حسن خياطته، ويَحتمل الذَّمْ: بأنَّه بئس الخَيَّاط - خياط أعور .. مشكلة هذه! - فيَتمَنَّى عَمَى عينيه، لِيَتَخلَّصَ الناس من خياطته، فيحتمل النوعين .. يَحتَمِل صِحَّة عينيه فيكون دعاءً له، وبالعكس فيكون دعاءً عليه.
إذًا: توجيه ما يَحتمل الوجهين، يعني: المختلفين، لكن متساويان، ولا شَكَّ أنَّ العوراء مع الصحيحة متساويان .. كُلٌّ منهما مساويًا للآخر.
وعَرَّفَه السِّيُوطِي في شرحه على (العقود) ونَسبَه لبعض:"أن يَحتمل الكلام وجهين متباينين من المعنى احتمالًا مطلقًا من غير تقييد بمدحٍ أو ذَمٍّ أو غيره"هذا تفصيلٌ لِمَا سبق.
إذًا: (وَالتَّوْجِيهُ) الذي هو نوعٌ من أنواع (المَعْنَوِيْ) : ما كلامٌ .. يَحتَمِل هذا الكلام - الضمير هنا يعود إلى (مَا) - الوجهين المختلفين، تثنية وجهٍ، أيْ: الجهة والنَّاحيَة، (عِنْدَ العُلَما) أصله: العلماء .. قصره للضَّرُورة، وهنا (عِنْدَ) مُتَعلِّقٌ بقوله: (يَحْتَمِلُ) ، لأنَّ الكلام هنا مَردُّه إلى أهل اللغة، (عِنْدَ العُلَما) هذا من باب التتميم.
ثُمَّ قال النَّاظِم - رحمه الله تعالى:
وَمِنهُ قَصْدُ الجِدِّ بالهَزْلِ كَمَا ... يُثْنَى عَلَى الفَخُورِ ضِدُّ مَا اعْتَمَى
(ضِدُّ) بالرَّفْع.
(وَمِنهُ قَصْدُ الجِدِّ) يعني: ومن (المَعْنَوِيْ) : (قَصْدُ الجِدِّ بالهَزْلِ) .. إيرَاد الجِدِّ في قَالب الهَزْل، يعني: يُرِيد المسألة أن تكون جِديَّة، لَكنَّه يأتي بعبارات كَأنَّه يهزل أو يمزح، وهو أسلوب جميل يُوصِل المعلومة إلى الغير دون تشويشٍ في النفس.
قال في (الإيضاح) :"وتَرجَمتُه تغني عن تفسيره"يعني: لا يحتاج إلى إيضاح، وحاصله: أن يُذكَرَ الشيء على سبيل اللعب والمُطَايَبَة بِحسب الظَّاهِر، والغرض منه أمرٌ صحيح بِحسب الحقيقة، مثاله قول الشاعر:
إِذَا مَا تَمِيمِيٌّ أَتَاكَ مُفَاخِرًا ... فَقُلْ عَدِّ عَنْ ذَاَ كَيْفَ أَكْلُكَ لِلضَّبِّ؟
يعني: فَاخَرَ بأصله، (فَقُلْ عَدِّ) يعني: تَجاوز عن (ذَاَ) المفاخرة (كَيْفَ أَكْلُكَ لِلضَّبِّ؟) فإنَّ ظاهره، لَكنَّه في الحقيقة جِدٌّ، فإنَّ قولك وقت مفاخرة إنسان في حضورك: لا تفتخر، وقل لي: كيف تأكل الضَّبْ؟ وهذا فيه استهزاء وسخرية .. هزلٌ ظاهر، لَكنَّك تريد به الجد، لأنَّك تريد تَعْيِيبَه، بأن تنسبه إلى أكل الضَّبِّ، فنسبة المخاطب إلى الرَّذَالَة، وكذلك تحقيره، لأنَّ شَأنَّه الاشتغال بأكل الضَّبِّ ونحوه مِمَّا يَتَباعد عنه الأشراف، ويرتكبه الأراذل الأجلاف.
إذًا: إِذَا مَا تَمِيمِيٌّ أَتَاكَ مُفَاخِرًا ..
يعني: بأصله.
(فَقُلْ عَدِّ عَنْ ذَاَ) يعني: تجاوز هذا، قل لي: (كَيْفَ أَكْلُكَ لِلضَّبِّ؟) .
وَمِنهُ قَصْدُ الجِدِّ بالهَزْلِ كَمَا ... يُثْنَى عَلَى الفَخُورِ. . . . . .