(الفَخُورِ) .. (فعول) ، يعني: كثير الافتخار كالتميمي السابق، والعظيم في نفسه، أو الفخور: المُفتخِر بِما أُعطِي، و (يُثْنَى) المُراد به: يُعطَف ويُرَدُّ، (ضِدُّ مَا اعْتَمَى) أي: اختار لنفسه، يأتي يفتخر بشيء فَتردُّه عليه، يعني: تأتي بقالب الهزل، وإذا به مُضمَّنٌ لِمعنىً هو جد، وضِدُّ ما سار عليه الفخور.
وَمِنهُ قَصْدُ الجِدِّ بالهَزْلِ كَمَا ..
يعني: كمثال .. كقولك:
يُثْنَى عَلَى الفَخُورِ ضِدُّ مَا اعْتَمَى ..
ثُمَّ قال:
وَسَوْقُ مَعْلُومٍ مَسَاقَ مَا جُهِلْ ... لِنُكْتَةٍ تَجَاهُلٌ عَنْهُمْ نُقِلْ
(تَجَاهُلٌ) بالرَّفْع، أي: ومن (المَعْنَوِيْ) : تجاهل العارف، هذه التَّسمِيَّة هي المشهورة عند البديعيين: تجاهل العارف، وهو أن يَدُلَّ كلامه على جهله بالشيء مع كونه عَارِفًا به، لو نظرنا في الكلام دَلَّ على أنَّه جاهلٌ، مع أنَّه عارفٌ به .. (تجاهل العارف) ، كلامه يَدلُّ على أنَّه جاهل، لَكنَّه ليس بجاهل، بل هو عارفٌ.
وبعلاقة الدَّلالَة المذكورة جُعِلَ وصفًا للكلام، وعُدَّ من مُحسِّنَاته، وإلا فهو من أوصاف المُتَكلِّم .. (تجاهل العارف) ، إذًا: وصفٌ للمُتَكلِّم، لكن لَمَّا نُظِرَ إلى الكلام جعل من أوصافه.
وسَمَّاه السَّكَّاكِي: سَوْقُ المعلوم مَسَاقَ غيره لِنكْتَةٍ، هذه التي اختارها المُصنِّف.
(سَوْقُ) يقال: سَاقَ الحديث سَرَدَه وسَلْسَلَه .. المُراد الذِّكْر، (وَسَوْقُ مَعْلُومٍ) يعني: شيءٍ معلوم، (مَسَاقَ) هذا مَصدرٌ مِيمِيِّ .. كسوق، (مَا جُهِلْ) يعني: الذي جُهِل، يعني: المجهول، (مَا) اسمٌ موصول بِمعنى: الذي، و (جُهِلْ) هو أي: المسوق، حِينئذٍ القاعدة: لَلْمَوصول مع صلته في قوة المشتق، كأنَّه قال: سَوقُ مَعلُومٍ مَساقَ المجهول، وعبارة السَّكَّاكِي: سَوْقُ المعلوم مَسَاقَ غيره، أي: المجهول، لأنَّ غير المعلوم هو المجهول.
(لِنُكْتَةٍ) قال السَّكَّاكِي:"ولا أحب تسميته بـ: التجاهل، تَأدُّبًا لوروده في كلامه تعالى" (تجاهل العارف) ورد في القرآن .. كيف يُقَال: تجاهل العارف، إذًا: لا بُدَّ من تغيير.
ولا يُستَعمل إلا لِنكتةٍ، كما قال النَّاظِم هنا: (لِنُكْتَةٍ) اللام للتعليل، يعني: لأجل نَكتةٍ .. سَوقُ معلومٍ لأجل نُكتةٍ، و (النُّكْتَة) المراد بها: الفائدة والغرض الصحيح، كالمبالغة في المدح، كقول الشاعر:
ألَمْعُ بَرْقٍ سَرَى أمْ ضَوْءُ مِصْبَاحٍ ... أمِ ابْتِسَامَتُهَا بِالمَنْظَرِ الضَّاحِي
يعني: الظاهر .. يعني: كأنَّه شَكَّ، فإنَّه بالغ في مدح ابتسامتها، أراد أن يمدح الابتسامة، هل هي ألمع برقٍ، أم ضوء، أم ماذا؟ فإنَّه بالغ في مدح ابتسامتها، حيث لم يفرق بينها وبين لمع البرق وضوء الصباح، فلِشدَّة مُشابَهة ابتسامتها لهذه الأمور تجاهل، وأظهر الشَّكَّ في أنَّها الواقع، وإن كان غير شك .. هو يعلم في قرارة نفسه أنَّها ليست لمعٌ .. برق .. ولا ضوء الصباح، هو يعلم في هذا.