فهرس الكتاب

الصفحة 742 من 828

إذًا: تَجاهل وكأنَّه لم يعرف، وحِينئذٍ ساق الكلام مساق الجاهل، وأظهر الشَّكَّ في أنَّها الواقع، وإن كان غير شَآكٍّ، وهو أيضًا من تناسي التَّشبِيه، ولا بُدَّ فيه من وقوع الشَّبَه بين المتناسبين، بل اشتداده حتى يحصل ما يقتضي الاستفهام عن تعيين أحدهما من الالتباس المُستدْعَى له، فإن خلا عن التشبيه لم يكن من هذا الباب، بل يكون من بابٍ آخر.

يعني: لا بُدَّ أن يكون قائمًا التَّشبِيه ليكون من هذا الباب، فإن لم يكن قائمًا على التَّشبِيه فلا يكون من هذا الباب، مثاله قوله تعالى: (( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ) ) [طه:17] الله يعلم أنَّها عصا، لكن قال: (( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ) ) [طه:17] هل هو من هذا السَّوْق معلومٍ مساق ما جهل؟ نقول: لا، فإنَّ السؤال هنا ما وقع لأجل المبالغة في التَّشبِيه، بل لأمرٍ آخر، لَعلَّه الإيناس لموسى عليه السلام، فإنَّ المقام مقام هيبة .. احترام، يعني: أراد أن يُخاطبه الرَّبُّ جل وعلا من أجل التخفيف عنه من هيبة الموقف.

وقوله تعالى لعيسى: (( أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) [المائدة:116] فإنَّ السؤال هنا لم يكن أيضًا للتَّشبِيه، وإنَّما هو لتوبيخ من ادَّعَى ذلك، ومنهم من أطلق ذلك وجَعَلَ تَجاهل العارف مُطلقًا، سواءً كان على وجه التَّشبِيه أو على غيره، والمرجح الأول: أنَّه لا بُدَّ أن يكون على جهة التَّشبِيه، فإن لم يكن كالآيتين السابقتين لا يكون من هذا القبيل البَتَّة، إذًا: المبالغة في المدح.

ومنها التَّحَيُّر في الحُبِّ والدَّهَشْ فيه، ومنه:

بِاللَّهِ يَا ظَبَيَاتِ القَاعِ قُلْنَ لَنَا ... لَيْلاَيَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ الْبَشَرِ

ما يدري هل هي بشر أم لا؟ و (القَاعِ) هو المستوي من الأرض، وقوله: (لَيْلاَيَ) أضافه إلى نفسه أولًا، ثُمَّ قال: (أَمْ لَيْلَى) يعني: صَرَّح باسْمها ثانيًا، وهذا فيه اسْتِلْذَاذ كما يُقَال عند .. ومَرَّ معنا في المعاني، والمبالغة في الذَّمِّ، يعني: لِنُكتة كقول الشاعر:

وَمَا أَدْريِ وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْريِ ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

ما يدري رجال أم نساء؟ هو يدري أنَّهم رجال، لكن لِقوة الشَّبَه بالنساء كأنَّه تجاهل، قد تَحقَّق عنده أنَّهم رجال، لَكنَّه سلك طريق التَّجَاهل مُبالَغة في الذَّمِّ، فَادَّعَى أنَّهم لِشدَّة شبههم بالنساء في الأوصاف الرَّذِيلَة يَشكُّ النَّاظِر فيهم هل هم رجالٌ أم نساء؟ والواقع أنَّهم رجال.

كذلك التَّوْبِيخ - نُكَت يعني - كالتَّوْبِيخ، وخطاب الأطلال، والرُّسُوم، والمنازل، والاستفهام، والتحقير، وغير ذلك من النكات، المراد: أنَّه يُخرِج الكلام في ظاهره أنَّه جاهل، لَكنَّه في واقع الأمر هو عالمٌ، هذا يُسمَّى إمَّا: سَوقُ المعلوم مَساقَ المجهول، وهذا إذا وقع في القرآن سَمِّيِه بِهذا، وعلى ما اشتهر عند البيانيين في باب البديع أنَّه: (تجاهل العارف) .

وَسَوْقُ مَعْلُومٍ مَسَاقَ مَا جُهِلْ ... لِنُكْتَةٍ. . . . . . . . . . . . . . .

يعني: فائدةٍ.

(تَجَاهُلٌ عَنْهُمْ نُقِلْ) .. نُقِلَ عنهم، يعني: عن البيانيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت