كَنَّىَ بـ: (الأَعَز) عن المنافقين .. فريقهم، وبـ: (الأَذَلَّ) عن المؤمنين، إذًا: وصفٌ كَنَّى به عن شيء، ثُمَّ أثبت له حكم وهو (لَيُخْرِجَنَّ) .. هذا الحكم: الأعَزُّ يُخِرجَنَّ، من؟ الأذَل، إذًا: عندنا وصف وهو العِزَّة، وأطلقها على فريقه، والذِّلَّة الذي دَلَّ عليه (الأَذَلَّ) ، وأطلقها على فريق المؤمنين، وأثبت لفريق المنافقين الحكم وهو: الإخراج.
فإنَّهم ذكروا صِفةً وهي: العِزَّة والذِّلْ، المُتضَمِّن لهما: (الأَعَزُّ) و (الأَذَلَّ) ، وكَنَّوْا بِهما عن شيءٍ، لأنَّهم عَنَوْا بـ: (الأَعَزُّ) فريقهم، يعني: المنافقين، وبـ: (الأَذَلَّ) فريق المؤمنين، وأثبتوا لذلك الشيء حكمًا، فإنَّهم أثبتوا لفريقهم المُكنَّى عنه بـ: (الأَعَزُّ) الإخراج .. هذا هو الحكم.
ماذا جاء الخطاب؟ فأثبت الله تعالى بِالرَّدِّ عليهم صِفَة العِزَّة بغير فريقهم، وهو الله تعالى ورسوله والمؤمنون، وأثبت الصِّفَة الأخرى وهي الذِّلَّة للكفار المدلول عليه بتقديم الخبر، في قوله تعالى: (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ) ) [المنافقون:8] أي: لا لغيره .. (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ) [المنافقون:8] .
إذًا الصِّفَة التي أثبتوها لأنفسهم، أثبتها الله تعالى له ولرسوله وللمؤمنين، ثُمَّ أثبت الذِّلَّة التي أثبتوها للمؤمنين لهم بطريق تقديم ما حَقُّه التأخير: (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ) ) [المنافقون:8] أي: لا لغيره، إذًا: غير الله ورسوله والمؤمنين وهم الكفار، انْتَفت عنهم العِزَّة، وليس ثَمَّ إلا الذِّلَّة، فحِينئذٍ وَصَفَهَم بِمَا وَصَفوا به المؤمنين.
أي: لا عِزَّة لغيره، ومن لا عِزَّة له فهو ذليل، ولم يَتَعرَّض لثبوت ذلك الحكم وهو الإخراج للموصوفين بالعِزَّة، يعني: الله ورسوله والمؤمنين، سكت عنه، لَكنَّه ثابتٌ لأنَّهم أثبتوا الإخراج لِمَن اتَّصَفَ بوصف العِزَّة، والله عز وجل أثبت العِزَّة للمؤمنين، إذًا: بإقرار الكفار أنفسهم أنَّ الإخراج إنَّما يكون لِمَن كانت لهم العِزَّة، فقد أثبتها الله تعالى للمؤمنين، إذًا: دَلَّ على أنَّ هم الذين يُخرِجُون الكفار، وهنا الحكم مذكور لَكنَّه مطوي.
ولا شَكَّ أن طَيَّ ذكر الحكم هنا أبلغ لأنَّه إذا أُثبِتَ للمؤمنين أنَّهم الأعز، كان الإخبار بإخراجهم للكفار مُستَغنَىً عنه باعتراف الكفار به، لأنَّه قال: (( لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ ) ) [المنافقون:8] إذًا الأعَزْ هو الذي يُخرِج، واختلفنا فيمن هو الأعز؟ هم قالوا: المنافقون، والله عز وجل أثبتها له ولرسوله وللمؤمنين، إذًا: الحكم تابعٌ للوصف، فمن ثبتت لهم العِزَّة هم الذين يُخرِجون غيرهم.
باعترافهم بأنَّ من هذا صفته يُخْرِج، وهذا من بديع الكلام كما قال أهل العلم.
والنوع الثاني .. الضَّرْب الثاني من القول بالمُوْجَب: حمل لفظٍ وقع في كلام الغير على خلاف مُرادِه مِمَّا يَحتمله بذكر مُتَعلَّقه، يعني: يَتَكلَّم المُتَكلِّم ويريد شيئًا، والمُخَاطَب يَحمله على كلامٍ يَحتمِله اللفظ، لَكنَّه ليس مرادًا له، وهذا ما مَرَّ معنا الذي يُسمَّى بـ: أسلوب الْحَكِي.