يعني: أن يرد لَفظٌ في كلامٍ مَسُوقٍ لِقَصدٍ ما، ولكن يحمله المخاطب على خلاف قصد ومراد المُتَكلِّم به مِمَّا يَحتمله من المعاني التي احتملها ذلك اللفظ حَقيقةً أو مَجازًا، بشرط أن يكون الاحتمال الذي حُمِلَ عليه مرجوحًا، وَشَرَط بعضهم: خُلُوَه من لفظة (لكن) ، لأنَّهم خَصَّصُوا بِها نوع الاستدراك، لَكنَّه ليس بالمشهور.
وذلك الحمل بأن يأتي المُتَكلِّم بذكر مُتعلَّقٍ له وجد، سواءٌ كان جارًَّا أو مجرورًا أو غيره، فيصرفه المُخاطَب عن المعنى الذي أراد المُتَكلِّم منه إلى معنىً آخر، ولا بُدَّ كما ذكرنا يَحتمله اللفظ، لَكنَّه لم يُرِد هذا المعنى الثاني، وذلك مثل قول: قَبَعْثَرَى .. الحَجَّاج مَرَّ معنا المثال نفسه في علم المعاني، حين قال له: لأحْمِلنَّكَ على الأدْهَم، يعني: القيد، قال: مثل الأمير يَحمِل على الأدْهَم والأشْهَب، حَمَلَه على فرس.
فإنَّه حَمَلَ الأدْهَمَ في كلام الحَجَّاج على خِلاف مُراده، هو ما أراد الأدْهَم: الفرس، وإنَّمَا أراد به القيد .. الحديد، على خلاف مراده، وصَرَفَه إلى الفرس الأدهم، حيث عَطَف الأشْهَب عليه، وهذا يُوْجِب كون المُرَاد به هنا الفرس، لقرينة العطف المذكور.
ومنه قول الشاعر:
قُلْتُ ثَقَّلْتُ إذْ أَتَيْتُ مِرَارًا ..
كَثْرَة الزِّيَارَات فيها ثِقَل على المُزَار.
قَالَ ثَقَّلْتَ كَاهِلِي بِالأَيَادِي ..
النِّعَم والمِنَن، إذًا: صرفها، هو أراد شيء فَحَملَه على مَعنىً آخر.
قُلْتُ طَوَّلْتُ قَالَ لاَ بَلْ تَطَوَّ ... لْتَ. . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا ليس فيه الشاهد معنا، لأنَّه رَدَّه .. أجابه، لأنَّ الطَّوْل والتَّطَاول بينهما فرق، فأجابه.
وَأَبْرَمتُ قالَ حَبْلَ ودادِي ..
هذا في صرفٌ.
والاستشهاد بقوله: (ثَقَّلْتَ) و (أَبْرَمتُ) فإنَّه قال بِمُوْجَب قوله، ولَكنَّه صَرَفه إلى غير مقصود المُتَكلِّم وحَمَلَه على غير مُراده، وليس في قوله: (طَوَّلْتُ) إلى آخره، قولٌ بالمُوْجَب فإنَّه رَدَّ عليه بقوله: (لاَ) .. أجاب، وليس فيه صرفٌ، وأثبت شيئًا آخر: فإنَّ التَّطَوُّل غير الطُّول، وهذا النوع الثاني من القول بالمُوْجَب هو الأسلوب الحكيم المذكور في المعاني.
إذًا: وَالْقَوْلُ بِالمُوْجَبِ قُلْ ضَرْبَانِ ..
نوعان كلاهما معلومان في الفَنِّ.
وَالاطِّرَادُ العَطْفُ بِالآبَاءِ ... لِلشَّخْصِ مُطلَقًا عَلَى الوِلاءِ
(وَالاطِّرَادُ) .. اطَّرَدَ .. تتابع وتَسَلْسَلَ، أي: من (المَعْنَوِيْ) : (الاطِّرَادُ) بكسر الهمزة وتَشدِيد الطَّاء، أصله: (افتعال) .. اْطَّرَدَ .. افْتَعَل، قلبت التاء طَاءً فأُدْغِمَت الطاء في الطاء.
وهو لغةً: افتعالٌ من طَرَدَ الماء وغيره، إذا جَرَى في سهولة بلا تَوقُّف.
وعُرْفًا .. اصطلاح البيانيين: أن تأتي بأسماء الممدوح أو غيره لو كان ذَمًَّا - وإن حَصَرَه بعضهم في المدح - وآباءه على ترتيب الولادة، من غير تَكَلُّفٍ في السَّبْكِ، حتى تكون الأسماء في تَحدُّرِها كالماء الجاري في اطِّرَادِه وسهولة انسجامه، وعَبَّرَ هنا بالأسماء كما هو المشهور.