ولذلك اجتمع فيه تعقيدان: التعقيد اللفظي، والتعقيد المعنوي.
وَمَا مِثْلُهُ، يعني: وما مثلُ الممدوح إبراهيم، حَيٌّ يُقَارِبُهُ، حيٌّ، يعني: أحدٌ، يُقَارِبُهُ، أي: يشبهه في الفضائل، إِلَّا مُمَلَّكًا، يعني: إلا هشامًا، أَبُو أُمِّهِ أَبُوهُ: أبو أم هشام أبوه، أبو من؟ أبو إبراهيم، يعني: جدّه لأمه أبو إبراهيم، لماذا؟ لأن هشامًا ابنُ أخت إبراهيم، وإذا كان ابنُ أخته يجتمع معه في أبيه، أليس كذلك؟ بلى، هذا يُسمى التعقيد اللفظي، سببُهُ يرجع إلى الناظم، لماذا حصلَ تعقيد في المعنى؟ لكون اللفظِ معقدًّا، ما الذي أوصل إلى التعقيد اللفظي؟ تقديمٌ وتأخيرٌ بلا قرينة دالة على المقدم والمؤخر، كذلك الفصل بين ما يلزم الاتصال به في الأصل، يعني: أن لا يُفصل بين المبتدأ والخبر إلا بما كان معمولًا للمبتدأ.
ولذلك الأكثرون على أنه لا يجوز أن يفصل بين المبتدأ والخبر بمعمول الخبر، فإذا كان معمول الخبر يُعتبر أجنبيًا فاصلًا بين المبتدأ والخبر فغيرُه من بابٍ أولى وأحرى.
إذن نقولُ: فصاحة الكلام أن يخلُصَ من التعقيد اللفظي، متى؟ متى يكون الكلام خاليًا من التعقيد اللفظي؟ ما سلِمَ نظمه من الخلل، فلم يكن فيه ما يخالفُ الأصلَ، ليس فيه ما يخالف الأصل، إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظيةً كانت أو معنوية، لا بد إذا خالف الأصل من إقامة قرينة، قرينة ظاهرة سواء كانت لفظية أو معنوية.
النوع الثاني .. السبب الثاني الذي يؤدّي إلى الخلل في الكلام: ما يرجع إلى المعنى، قالوا: وهو أن لا يكون انتقال الذهن من المعنى الأصلي إلى المعنى الثاني المراد الذي هو لازم الأول ظاهرًا .. أن لا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول الأصلي الذي هو وضعُ الواضع؛ وضع اللغة، إلى المعنى الثاني المراد من متكلم ظاهرًا، يعبّرُ بلفظ يحتمل معنيين، له ظاهر في وضع اللغة، هو لا يريد الوضع الظاهري، يريد لازمه المعنى الآخر، لكن انتقال الذهن عند السامع من المعنى الأصلي إلى اللازم غير ظاهر؛ لأنه أخطأ في الاستعمال.
يمثّلون لذلك بقول العباس بن الأحنف في شعره:
سَأطلُبُ بُعدَ الدَّارِ عَنْكم لِتقْرُبوا وَتَسْكُبُ عَيْنايَ الدُّموعَ لِتَجْمُدَا
سَأطلُبُ بُعدَ الدَّارِ، إذن: هو يشكو من؟ فراق الأحبة، وفراقُ الأحبة هذا ينبني عليه ماذا؟ الكآبة والحزن وسكب الدموع، هذا الأصل، وَتَسْكُبُ عَيْنايَ الدُّموعَ، إذن: كنّى عن الفراق وما يترتب عليه من الحزن، كنّى عنه بسكبِ الدموع، وهو البكاء، قالوا: وقد أصاب، لماذا؟ لأن من شأن البكاء أن يقع كنايةً عن ذلك، يقال: وأبكاني وأضحكني، أبكاني يعني: أساءني، وأضحكني، يعني: سرّني، فيكنى بالبكاء عن الإساءة، ومنها سكبُ الدموع.
أبكاني الدهر ويا ربما أضحكني الدهر بما يرضي