فهرس الكتاب

الصفحة 760 من 828

ثم لما كان جناس القلب قد يتصف بوصفٍ آخر ببعض الاعتبارات أشار إليه الناظم بقوله: مُجَنَّحًا يُدعى إلى آخره، أي: إذا وقع أحد المتجانسين جناس القلب في أول البيت، والآخر في آخره سُمي مقلوبًا مجنحًا، ولذلك قال: مُجَنَّحًا يُدعى، يعني: يسمى مجنحًا، وسمي بذلك يعني: مجنحًا، لكون كلمتي الجناس فيه واقعتين في جناحي البيت، أو الفقرة، يعني: أشبه ما يكون بجناحي الطائر، تشبيه.

إذا تقاسَما: إذا هنا للتقييد، إذا تقاسما: الألف هذه فاعل، يعني: الركنان أو اللفظان المتجانسان، بيتًا من الشِّعْر والنظم، أو الفقرة من النثر، فكانا أي: الركنان، فاتحًا، أي: أحدهما فاتحًا، وخاتمًا، أي: الآخر خاتمًا، فحينئذٍ كلٌ منهما وصفٌ لموصوفٍ مغاير للآخر، فليس أحدهما هو فاتح وخاتم، لا، وإنما أحدهما فاتح والآخر خاتم، هذا مراده.

مثال المجنح، قول الشاعر:

لاح أنوار الندى من كفه في كل حال

حال .. لاح: قلبٌ، إذًا: لاح وقع في أول البيت.

لاح أنوار الندى من كفيه في كل حال

جناس قلبٍ مجنح، فإن لاح الواقعة في أول البيت قلب حالٍ الواقع آخره.

مُجَنَّحًا يُدعى إذا تقاسَما بيتًا فكان فاتحًا وخاتِما

وإذا ولي أحد المتجانسين الآخر سمي مزدوجًا، يعني: الأصل فيهما التفارق، يأتي هذا في أول الشطر وهذا في آخره .. هذا في أول الفقرة وهذا في آخرها، فإذا تواليا .. كلٌ منهما تتابعا حينئذٍ سمي: مزدوجًا، ومكررًا، ومرددًا، فإذا تتابع الركنان من الجناس أيِّ جناسٍ كان ولا يخص جناس القلب .. عام هذا، من غير فصلٍ بينهما فهو المزدوج، كما قال الناظم: ومعْ توالي الطَّرَفيْنِ عُرِفا مُزدَوجًا، وهذا الحكم عام، ولذلك قال: كلُّ جِناسٍ أُلِفا، يعني: عُلِم، ألف كعرف.

ومعْ توالي الطَّرَفيْنِ، ومع هذا الظرف متعلق بقوله: عُرِفا، وهو مضاف، وتوالي مضاف إليه، وتوالي: المراد به التتابع.

الطَّرَفيْنِ، أي: المتجانسين، سواءٌ كان جناسهما مقلوبًا أو تامًا أو غير ذلك، عُرِفا: الألف للإطلاق، مُزدَوجًا: حال كونه مزدوجًا، كلُّ جِناسٍ أُلِفا، كل جناس: مبتدأ، خبره: جملة ألفا، أُلِفا: الألف هذه للإطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود إلى كل، والجملة تعتبر خبر عن المبتدأ.

ومثاله، قوله تعالى: (( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) ) [النمل:22] سَبَإٍ .. نبأ، إذًا: تواليا، وقوله صلى الله عليه وسلم، -إن صح الخبر-: {المؤمنون هينون لينون} إذًا: تواليا .. متتابعين، وقولهم: من طلب وجَدَّ وجَدْ، ومن قرع بابًا ولجَّ ولَجْ، إذًا: حصل التتابع هنا والتوالي.

إذًا: ومعْ توالي الطَّرَفيْنِ عُرِفا مُزدَوجًا.

ثم قال:

تناسُبُ اللّفْظَيْنِ في اشتقاقِ وشِبْهِه فذاكَ ذو التحاقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت