بعدما بين لنا الأنواع الثلاثة قال:
أبْلَغُ ذاكَ مُسْتَوٍ فما تَرى ... أُخرى القرينَتَيْنِ فيهِ أَكْثَرا
والعَكْسُ إن يَكْثُرْ فَلَيْسَ يَحْسُنُ ومُطلَقًا أعجازُها تُسَكَّنُ
أبْلَغُ ذاكَ: هذا بيانٌ لمراتب السجع، من حيث البلاغة والحسن، هل متساوية .. هل كل سجعٍ مساوٍ للآخر من حيث البلاغة؟ الجواب: لا، بل هي متفاوتة، أبْلَغُ، أي: الأكثر بلاغةً، أبلغ: أفعل التفضيل، إذًا: أكثر بلاغةً والأحسن والفاضل مُسْتَوٍ، أي: ما استوت فيه القرينتان، أي: استوت في عدة الكلمات، يعني: كلمات القرينة الأولى .. الجملة الأولى التي فيها الفاصلة الأولى مساويةً لعدد كلمات الجملة الثانية، هذا يُسمى أبلغ أنواع السجع.
ما استوت فيه القرينتان، أي: استوت في عدة الكلمات، والقرينتان تثنية قرينة، وهي والفقرة في النثر كالبيت في النظم، وفي الشرح -الحلية-، القرينة: طائفةٌ من الكلام مشتملةٌ على الفاصلة، مثل: (( سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ) ) [الغاشية:13] هذه فقرة وقرينة، وكذلك: (( وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ) ) [الغاشية:14] الجملة كلها تسمى: قرينة، سميت بذلك لأنها مقارنةٌ لصاحبتها، فأبلغ وأحسن السجع هو ما تساوت فيه القرينتان ليكون شبيهًا بالنظم، فإن أبياته متساوية، وعلته: أن السامع ألف الانتهاء إلى غايةٍ في السجعة الأولى، فإذا زيد عليها ثقل عليه الزائد لأنه يكون عند وصوله إلى مقدار الأولى، كمن توقع الظفر بمقصوده من فهم المراد فوجده أمامه، يعني: كأنه اعتاد، حينئذٍ إذا طالت خرج عن الحد.
ولذلك: (( خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ) ) [الحاقة: 30 - 31] قافية (( ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ .. ) ) [الحاقة:32] فيه شيءٌ من الطول كما سيأتي.
إذًا: هذا يسمى أبلغ أنواع السجع وأحسنها، مثاله قوله تعالى: (( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) ) [الواقعة: 28 - 30] وهذا كثير حتى في القرآن.
ثم يليه في الأبلغية .. إذًا: استواء عدة الكلمات في الفقرتين هذا هو الأعلى، أبْلَغُ ذاكَ: المشار إليه السجع، مُسْتَوٍ، أبلغ: مبتدأ، ومستوٍ: هذا خبره، مرفوع ورفعه ضمةٌ مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، مستوي: هذا الأصل، حذفت الياء للتنوين التقى الساكنان، أبْلَغُ ذاكَ مُسْتَوٍ: هذه الدرجة الأولى، فـ: هذه تفيد الترتيب والتعقيب، إذًا: ما بعده يكون أدنى درجةً من سابقه، فما تَرى أُخرى القرينَتَيْنِ فيهِ أَكْثَرا، يعني: أكثر كلماتٍ من الجملة السابقة، فما تَرى، يعني: فالذي تراه أنت بالبناء للفاعل، أُخرى القرينَتَيْنِ: هذا مفعول لترى .. تعلمه، فيهِ أي: في السجع، أَكْثَرا: الألف هذه للإطلاق، أَكْثَرا: مفعول ثاني لترى، وهو ممنوع من الصرف فلا يُنون .. فلا يُقال بأن الألف بدلٌ عن التنوين بل هي للإطلاق.