فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 828

إذًا: فليس أخذه من هذا الباب وهو باب السرقات، وبيانه أن يقال: إنه إن اتفق قائلان على الإتيان بقولٍ واحدٍ، اتحدا نظمًا أو نثرًا، فإن اتفقا في الغرض على العموم بأن يكون غرض هذا من قوله عين غرض الآخر، كالاتفاق على الوصف بالسخاء، هذا تكلم عن السخاء وهذا تكلم عن السخاء، هل نقول: هذا سرق من هذا؟ لا، لماذا؟ لأن السخاء وصفٌ عام لا يختص به الشاعر زيد من الناس دون غيره، فحينئذٍ إذا تكلم هذا عن السخاء وهذا عنالسخاء والآخر كذلك، لا يُقال بأن ثَمَّ سرقة، لأن هذه المعاني مشتركة بين الناس كلهم، فلا يختص بها شاعرٌ دون غيره، بل يُقال: هذا مما توارد على أصلٍ عام.

كالاتفاق على الوصف بالسخاء والشجاعة والذكاء والبلادة ونحوها، فهما مقبولان مرضيان، كلا القولين يعني: قولي الشاعر، هذا وذاك مقبولان مرضيان، ولا يحل أن يدعى بأن هذا سرق من هذا، هذا أمرٌ متفقٌ عليه عند البيانيين، ولا يُعد هذا سرقة، ولا استعانةً ولا أخذًا، بل هذا مستقلٌ استقلالًا تامًا، والآخر كذلك مستقلٌ استقلالًا تامًا، لماذا؟

قالوا: لتقرر هذا الغرض العام في العقول والعادات، واشتراك الناس فيه، وليس لزيدٍ خصيصة في شيءٍ من ذلك دون آخر، إذًا: وأخذُ شاعِرٍ كلامًا سَبَقَهْ: هذا لا يدخل فيه ما اشترك الناس فيه من المعاني والأوصاف، هذا قد يكون في الغرض العام.

وقد يكون الاتفاق بينهما في وجه الدلالة عليه، يعني: في الألفاظ .. الصيغة .. في التعبير، ثَمَّ تعبيرٌ عامٌ عن الشجاعة، وثَمَّ تعبيرٌ عامٌ عن السخاء، أو عن البلادة ونحو ذلك، ثَمَّ ألفاظ مشتركة بين الناس، فحينئذٍ أخذها واستعمالها في الشعر لا يقال بأنه سرقة، وقد يكون الاتفاق بينهما .. بين الشاعرين، في وجه الدلالة عليه، الأول في الوصف العام الغرض، ونحن الآن نتحدث عن وجه الدلالة، يعني: الألفاظ .. التعبير .. التركيب .. النظم .. تأليف الكلام، ثَمَّ ألفاظ مشتركة، ليست خاصةً بشاعرٍ دون آخر.

وقد يكون الاتفاق بينهما في وجه الدلالة عليه، أي: طريق الدلالة على الغرض المقصود كالمجاز والتشبيه ونحوهما، وذلك كوصف الشخص الجواد، أي: السخي بالتهلل، أي: البشاشة والسرور، يعني: لو استعمل كلمة تهلل مرادًا به السخي الجواد، نقول: هذا لفظٌ عام، ليس خاصًا بزيدٍ من الشعراء دون غيره، والوصف بالقبض والعبوسة عند السؤال مع سعة ذات اليد للبخيل، هذا لا يقال بأنه خاصٌ بشاعرٍ دون آخر، ووصف الشجاع بالابتسامة وسكون الجوارح وهكذا، فإن هذه هيئات تدل على صفةٍ وهي الكرم والشجاعة والبخل، والناس جميعهم مشتركون في معرفتها لاستقرارها في العقول والعادات، فلا يُعدَّ ذلك سرقةً وأخذًا، وإن اتفقا في وجه الدلالة على الغرض المقصود.

إذًا: ثَمَّ أمران، الأول: الغرض العام، وهذا لا يُقال: أخذه بأنه سرقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت