فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 828

إذًا: إذا كان أبلغ فهو محمودٌ مطلقًا، لماذا؟ لأنه فيه زيادة فائدة بأن يكون اختصارًا أو إيضاحًا إلى آخره.

وحُمِدا أي: النوع والقسم الثاني حيث كان من السابق، مِنَ السّابِقِ: هذا متعلق بقوله: وحُمِدا حيث كان أجود من السابق، رتب الكلام، وحُمِدا: الألف للإطلاق، حمدا هو يعني: ما أتى مخالفًا لنظمه، متى؟ حَيْثُ قلنا: للتقييد، حيث قد تأتي تعليلية، وقد تأتي للتقييد، وقد تأتي للإطلاق، ثلاث معاني، حَيْثُ: للتقييد هنا، كانَ: هو الذي ما أتى مخالفًا، أجْوَدا: الألف للإطلاق، مِنَ السّابِقِ إذًا: من السابق متعلق بقوله: أجْوَدا، أي: أكثر جودةً وأفضليةً.

مثاله الجيد يعني، قول بشار:

مَنْ راقَب الناسَ لم يَظْفَرْ بحاجتِه وفاز بالطّيّباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ

من راقب، يعني: حاذر، من مَنْ راقَب الناسَ لم يَظْفَرْ بحاجتِه: يتعب نفسه، وفاز بالطّيّباتِ الفاتِكُ، يعني: الشجاع اللَّهجُ: الحريص على القتل، وقول سلم الخاسم:

من راقب الناس مات غمًا، وفي نسخة: هما، وفاز باللذة الجسور، قيل: الثاني مأخوذٌ من الأول إلا أنه أبلغ، مع تغيير بعض اللفظ، فبيت سلم أجود سبكًا وأخصر، بحيث اعترف له بشارٌ بذلك، حيث قال له لما سمعه: والله ذهب ماء بيتي، فهو أخف منه وأعذب، والله لا أكلت اليوم ولا شربت.

فالثاني البيت مأخوذٌ من الأول إلا أن فيه تغييرًا للفظ حينئذٍ جاء أبلغ، وإن كان الثاني دون الأول لاختصاص الأول بفضيلةٍ لم تكن في الثاني فهو مذموم، إذًا: إذا كان أبلغ فهو محمود، وهو الذي عناه هنا، لأن قوله: وحمد حيث كان أجود من السابق له مفهوم، إذا لم يكن أجود من السابق والأصل أنه ليس محمودًا، وقد يكون مساويًا، وقد يكون مذمومًا، فالمفهوم هنا مسكوتٌ عنه، لماذا؟ لأن له عموم، يعني: ليس للجيد مقابل غير الجيد، فقد يكون ثَمَّ استواء، إذًا: فيه احتمال.

إذًا: وحمد حيث كان من السابق أجود، إذا لم يكن أجود قد يكون مذمومًا، وقد يكون غير مذموم، بأن يكون مساويًا، إذًا: فهو محتمل، وإن كان الثاني دون الأول لاختصاص الأول بفضيلةٍ لم تكن في الثاني فهو مذمومٌ، وذلك كما قال أبو تمام:

هيهات أن يأتي الزمان بمثله إن الزمان بمثله لبخيل

هيهات: بُعد، أن يأتي الزمان بمثله إن الزمان مثله لبخيل، وهو في غاية الجودة في السبك، فأخذه المتنبي فقال، -انظر أمثلة السرقة يأتون بالمتنبي والفرزدق وإلى آخره، ما سلم القوم-:

أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ولقد يكون به الزمان بخيلًا

فلم يُجِد فيه، لأنه احتاج إلى أن وضع (يكون) موضع (كان) لأن المعنى على المضي، وإن كان مثله بأن لم يكن الثاني أبلغ من الأول ولا دونه، بأن تساويا في المعنى المراد وأدائه، فهو أبعد من الثالث عن الذم، الثالث يعني: من القسم الثاني الآتي بيانه: وهو أخذ المعنى بدون اللفظ مع التساوي عن الذم، وحينئذٍ نقول: هما استويا والفضل للأول، لأن الفضل للمتقدم، وذلك كما قال أبو تمام:

لو حَار مُرتاد المنية لم يَجد إلا الفراق على النفوس دليلًا

أخذه المتنبي فقال:

لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلًا

قيل: هما سواء، والسبكي له كلامٌ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت