فهرس الكتاب

الصفحة 795 من 828

فإن الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال في إخفاءه، فيغيره عن لفظه ونوعه، ووزنه وقافيته ومع ذلك فهو معدودٌ من السرقة عندهم،- السارق الحاذق، يعني: يعرف كيف يسرق-، فيأتي بالمعنى ويغيره من كل وجهٍ، يعني: من بحرٍ إلى بحرٍ آخر .. من قافية إلى قافيةٍ أخرى .. من هجاءٍ إلى مدح، كأن المعنى الثاني مستقل .. في بادئ الرأي أنه مستقل، لكنه هو مختلسٌ من ذاك.

لِنَقْلٍ أوْ: قيل: النقل هذا يسمى التوكيد، أوْ: هذه بمعنى الواو، خَلْطٍ، أي: أن يضاف إلى المعنى .. يعني: بعض المعنى، ما يحسنه، فيأخذ المعنى السابق الذي هو من كلام السابق، فيضيف إليه شيئًا يحسنه، وهذا ما يسمى بالخلط، لكن أن يأخذ بعض المعنى لا كل المعنى، أوْ خَلْطٍ: وهو أخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه، فيأخذ الثاني البعض من معنى الأول ويزيد عليه ويضيف ما يحسنه، كقول الأفوه الأزدي:

وترى الطّيرَ على آثارِنا رأيَ عينٍ ثقةً أن سَتُماري

من الميرا.

وقول أبي تمام:

وقد ظُلِّلَتْ عِقبانُ أعلامهِ ضُحًى بعقبانِ طيرٍ في الدِّماءِ نواهلِ

أقامَتْ مع الرَّايات حتَّى كأنَّها من الجيشِ إلاَّ أنَّها لم تُقاتلِ

فإن أبا تمام لم يلم بشيءٍ من معنى قول الأفوه: رأيَ عينٍ الدالة على قربها، رأي العين البصيرة، إذًا: هي قريبة، ولا قوله: ثقةً أن سَتُماري، يعني: تأخذ من الميرة .. تأكل، عقبان الطيور هذه نوعٌ من أنواع الطيور، الدال على وثوق الطير بالميرة لاعتيادها ذلك وهو مما يؤكد المقصود، لكنه زاد بقوله: إلاَّ أنَّها لم تُقاتلِ زيادة على ما سبق، يعني: أضاف إليه معنىً فزاده حسنًا، ولم يشر إليه الأول، إلاَّ أنَّها لم تُقاتلِ الدال على أن لها قدرةً على القتال، وبقوله: في الدِّماءِ نواهلِ وبإقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش، وبهذا يتم حسن قوله، إلا أنها لم تقاتل، لأنه لا يحسن الاستثناء إلا بعد أن تُجعل مقيمةً مع الرايات معدودة من الجيش حتى يتوهم أنها من المقاتلين.

المهم: أنه أخذ بعض المعنى وزاد عليه شيئًا من المعاني أو من الألفاظ فزاده حسنًا على قائله السابق.

أوْ خَلْطٍِ شمولِ الثاني، يعني: أو شمول الثاني، أو وشمول الثاني، أي: أن يكون معنى الثاني أشمل من الأول، يعني: المعنى السابق خاص، فأخذه وغير وبدل فحينئذٍ صار الثاني أشمل من الأول، كقول جرير:

إذا غضِبْتْ عليْكَ بَنو تَميمٍ وَجَدْتَ النّاسَ كلَّهُمُ غِضَابَا

وقول أبي نواس:

لَيْسَ على اللهِ بمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت