والعقد نظم النّثر، أي: المنثور، قرآنًا كان أو حديثًا أو غير ذلك، حينئذٍ الاقتباس مر معنا: أن يضمن الكلام قرآنًا أو حديث سيد الأنام، هذا الاقتباس على أنه ليس منه، يعني: لا يقول: قال الله تعالى، أو قال رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا يسمى اقتباس، انتبه! ثَمَّ اجتماعٌ وافتراقٌ بين العقد والاقتباس.
والعقد نظم النثر، النثر هنا: (أل) للجنس، فيشمل القرآن ويشمل الحديث، ويشمل غيرهما، من الأمثال المشهورة، وكذلك الحكم، وأقوال العلماء، والعلوم، وغيرها، وهذا داخلٌ في قوله: النّثرِ، سواءٌ كان النثر مثلًا أو غيره حديثًا كان أو قرآنًا.
قوله: لا بالاقتباسْ: هذا لإخراج النوع الذي يسمى تضمينًا لـ قُرآنٍ أو حديثَ سَيِّدِ الأنامْ، وعرفنا أنه يشترط هناك شرطان: الأول: ألا يسنده، لا يقول: قال الله تعالى، ثانيًا: أن لا يتغير اللفظ تغيرًا كثيرًا: وجائزٌ لِوَزْنٍ او سِواهُ تَغييرُ نَزْرِ اللّفظِ، إذا تغير كثيرًا خرج عن الاقتباس.
إذًا: إذا كان القرآن مأخوذًا في اللفظ على جهة التضمين إن أسنده: يقول الله كذا، اقتباسٌ أم عقدٌ؟ ليس اقتباسًا، فإذا انتفى الاقتباس دخل في العقد، إذا غيره تغييرًا كثيرًا ولم يسنده خرج عن كونه اقتباسًا، كل ما لم يكن اقتباسًا فهو عقدٌ.
فقوله: لا بالاقتباسْ أي: لا على طريق الاقتباس السابق، وذلك بأن يقع فيه تغييرٌ كثير، إذا أخذ القرآن وغير تغييرًا كثيرًا، أو يُشار إليه إلى أنه من القرآن أو الحديث، وهذا واضح بين أنه ليس باقتباس، وقد سبق أن طريق الاقتباس بخلاف ذلك، حينئذٍ نقول: فأكثر الذي قُصِدَ نظمه إن كان غيرهما، انتبه!
إذًا: المنثور إما أن يكون قرآنًا وحديثًا أو لا، الثاني: نظمه لا يسمى اقتباسًا بل هو عقدٌ، إذًا: كل نثرٍ غير القرآن والحديث فهذا عقدٌ قطعًا، لماذا؟ لأنه لا يجتمع مع الاقتباس على الصحيح المشهور، وإن كان السيوطي وغيره نازعوا في هذا.
حينئذٍ نقول: كل نظمٍ لنثرٍ ليس بقرآن ولا حديث فهو عقدٌ، إذا كان النثر قرآنًا أو حديثًا، هنا نأتي للتفصيل: ما وُجِدَ فيه شرط الاقتباس فهو اقتباس وليس بعقدٍ، ما فُقِد فيه شرط الاقتباس فهو عقدٌ، إذًا: لا يجتمعان كما سبق .. لا يجتمعان.
إذًا: فأكثر الذي قُصِدَ نظمه إن كان غيرهما فهو عقدٌ على أي طريقٍ كان إلا دخل فيه للاقتباس، يعني: الاقتباس مخصوصٌ بالقرآن والسنة والحديث، وإن كان منهما: من القرآن والحديث، جاء التفصيل: فإن غُيِّر تغييرًا كثيرًا خرج عن الاقتباس فهو عقدٌ، وأُشِير إلى أنه من أحدهما فكذلك، يعني: هو عقدٌ، وإلا فهو اقتباس، وهذا على ما مشى عليه بعض شُرَّاح التلخيص كالتفتزاني، وللسيوطي والسبكي هنا وغيرهما بحثٌ يُرجع إليه.
فمن عقد القرآن وليس باقتباس، كقول الشاعر:
أَنِلْني بالذي استقرضت حَظًّا وأَشهد مَعْشَرًا قد شاهَدُوهُ
فإنَّ الله خلاَّقُ البَرايا عَنَتْ لجَلالِ هَيْبَتِهِ الوجوهُ
يقولُ إذا تَدَايَنْتُمْ بدَيْنٍ إلى أَجلٍ مسمّىً فاكتبُوهُ
عقدٌ أو اقتباس؟ عقدٌ، لماذا؟ لأنه قال: يقول .. يقولُ إذا تَدَايَنْتُمْ، إذًا: أسنده وإذا أسنده فحينئذٍ صار عقدًا لا اقتباس، لأنه فات شرط الاقتباس.