فهرس الكتاب

الصفحة 821 من 828

فيما لا يعدُّ كذبًا، يعني: في أنواعٍ كالتورية والإيهام والمبالغة، فيما لا يعدُّ، أي: لا يُحسب، من عَدَّ الدراهم وغيرها عدًا وتعدادًا حسبها وأحصاها، كذبًا: وعرفنا معنى الكذب.

وليسَ في الإيهامِ والتّهَكُّمِ ولا التغالي بسوى المُحَرَّمِ

مِنْ كَذِبٍ وفي المِزاحِ قَدْ لَزِبْ بحيثُ لا مندوحةٌ عنِ الكذبْ

وليس من كذبٍ في الإيهام، (من) زائدة، وكذبٍ: هذا اسم ليس، وفي الإيهامِ: خبرٌ مقدم لليس، ليس كذبٌ في الإيهام، وهو التورية، إذًا: ليس في الإيهام وهو التورية كذبٌ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح بها، كقوله للعجوز التي طلبت منه الدعاء بدخول الجنة: {إن الجنة لا تدخلها عجوزٌ} وهي عجوز المخاطَبة، فظنت أنها داخلةٌ فيها، فالعجوز لا تدخل الجنة، إذًا: هي لن تدخل الجنة، وهذا ليس بكذب، لأنه تورية، والتورية ليست بكذب لكن بشرطها، يعني: لا يكون ثَمَّ توسعٌ فيها، وثم يقع في الكذب، ثم يقول: ليس في الإيهام كذبٌ لا، قد يكون ثَمَّ كذب لكنه لا بد من تحقيق شرط التورية.

وليس في الإيهام من كذبٍ: إذًا ليس كذبٌ في الإيهام .. في التورية.

والتّهَكُّمِ: مثله، لوروده في الكتاب العزيز: (( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) ) [الدخان:49] وهو ليس بعزيزٍ كريم، ومع ذلك نقول: هذا ليس بكذبٍ، لأنه ورد في القرآن.

ولا التغالي، أي: المبالغة بسوى المُحَرَّمِ، لأن المبالغة على نوعين: مبالغةٌ مذمومة، ومبالغةٌ محمودة، يعني: مقبولة، والمذموم هو المردود، قد يكون محرمًا، ولا التغالي بسوى المُحَرَّمِ، أي: المبالغة ما لم تكن محرمة، ولا التغالي: وليس كذبٌ في التغالي، لكن بشرط: بسوى المُحَرَّمِ: غير المحرم، أما المحرم فهو كذبٌ، كمن يصف أميرًا بأنه قهر السماء .. هذا كذب، أو عارض القدرة بقوته، ولذا قال: بسوى المُحَرَّمِ يعني: من كذبٍ.

وأما المزاح الكذب على غير تأويلٍ من توريةٍ - السابق لا بد من إخراجه - أو نحوها فحرامٌ، كذب لا يوجد كذبة بيضاء وكذبة سوداء، الكذب كذب كاسمه فهو محرم، سواء كان لمصلحة الدعوة أو لا، إلا ما جاء استثناؤه في الشرع بين الزوجين ونحوها، والصلح ونحو ذلك.

وأما المزاح بالكذب على غير ما استثني -السابق من التورية فحرامٌ-، لأن اللعب لا يبيح محرمًا، وأما المزاح العاري عن الكذب فهو مباح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمازح بعض الأحيان ولا يقول إذا حقًا، المزاح الأصل فيه الإباحة، إلا إذا اشتمل على كذبٍ صار حرامًا، أو اشتمل على أمرٍ محرم غير الكذب فهو محرم، ولكن إذا زاد عن حده حينئذٍ قد يخل .. بل يخل بمروءة الشخص، وما يخل بالمروءة لا يكون من المحرمات، بل هي الأمور التي تكون وسطًا بين المحرم وغيره، يعني: المباح، فالمباح إذا أسرف فيه، وخاصةً طالب العلم يختلف حكمه.

وليسَ في الإيهامِ والتّهَكُّمِ ولا التغالي بسوى المُحَرَّمِ

مِنْ كَذِبٍ وفي المِزاحِ قَدْ لَزِبْ بحيثُ لا مندوحةٌ عنِ الكذبْ

ليس ثَمَّ مندوحة عن الكذب، لَزِبْ: لزب الأمر إذا ثبت، ولزم ارتكاب ما ذكر من التورية ونحوها في المزاح لمن أراد أن تكون له مندوحةٌ عن الكذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت