فهرس الكتاب

الصفحة 822 من 828

وفي المِزاحِ قَدْ لَزِبْ، يعني: ثبت، ما هو الذي ثبت؟ الإيهام أو التهكم وغيره، بحيثُ لا مندوحةٌ عنِ الكذبْ، يقال: أرضٌ مندوحةٌ واسعةٌ بعيدة، ولك عن هذا الأمر مندوحة: سعةٌ وفسحة، وإنك لفي نُدحة من الأمر: سعة، يعني: في التورية مندوحة عن الكذب، إذا خشيت إن تقع في الكذب فالجأ إلى التورية، ولذلك قال: وفي المِزاحِ قَدْ لَزِبْ: قد ثبت ولزم، ما هو؟ ارتكاب التورية، متى؟ حيثُ لا مندوحةٌ عنِ الكذبْ، إلا بارتكاب التورية.

لا مندوحةٌ، أي: غير ما ذُكِر من الإيهام وما بعده.

خاتمة، أي: هذه خاتمة، والخاتمة من كل شيء: عاقبته وآخره.

وينبغي لصاحبِ الكلامِ تأنُّقٌ في البدءِ والخِتامِ

بِمَطْلَعٍ حَسَن وحُسْنُ القالِ وسَبكٌ اوْ براعَةُ استهلالِ

والحُسنُ في تَخَلُّصٍ اوِ اقْتضابْ وفي الذي يدعونه فَصْلَ الخِطابْ

وينبغي لصاحبِ الكلامِ: ينبغي، يقال: ينبغي لفلان أن يعمل كذا، أي: يحسن به ويستحب له، وما ينبغي لفلانٍ أن يفعل كذا، أي: لا يليق به ولا يحسن منه، وإذا أريد الماضي قيل: كان ينبغي، وما كان ينبغي، في الإثبات: كان ينبغي، وفي النفي يُقال: ما كان ينبغي.

إذًا: وينبغي المراد به أنه يحسن به، ويستحب له، هذا في اللغة، وفي عُرف الأصوليين، ينبغي له كذا يطلقه بعض الفقهاء ويريد به المستحب، وأما في الشرع: قد يأتي بنفي ينبغي أشد التحريم: (( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) ) [مريم:92] نقول: هذا أشد التحريم.

وينبغي للمتكلم -صاحب الكلام- شاعرًا كان أو كاتبًا.

ثم قال هنا: لصاحبِ الكلامِ، فعمَّه.

تأنُّقٌ: هذا فاعل ينبغي، أي: الإتيان بالشيء الأنيق .. الحسن، ثوبٌ أنيق، حينئذٍ نقول: ثوبٌ حسن، والأنيق: هو الحسن، وأصله من التأنق في الرياض وهو تتبع الآنق والأحسن، والتأنق مطلوبٌ من المتكلم في ثلاثة مواضع: تأنُّقٌ في البدءِ .. تأنقٌ في الخِتامِ ثم قال: والحُسنُ في تَخَلُّصٍ، هذه ثلاثة مواضع يتأنق فيها، يعني: يأتي بالشيء الحسن.

في البدءِ، أي: بدء وابتداء الكلام، يعني: افتتاح الكلام، إذا أراد أن يفتتح الكلام لا بد من كلامٍ أنيق حسن يدل على المقصود، في البدءِ، أي: الافتتاح، أي: بدء وابتداء الكلام، لأنه أول ما يقرع السمع، ولا شك أن أول الألفاظ أو المعاني أو الأفعال هي التي تستقر في النفس، فإن كان محررًا أقبل السامع على الكلام ورعاه، وإلا أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية الحسن، يعني: إذا كان الكلام من أوله ركيكًا، ثم في آخره حسن، يعرض عنه.

ألا ترى إلى قول امرئ القيس في تذكار الأحبة والمنازل:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيبٍ وَمَنزِلِ بِسِقْطِ اللَّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

كيف هو في غاية اللطف ونهاية الحسن، حيث وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد، يعني: شطر بيت، هذا البدء .. تأنقٌ في البدء، يعني: افتتاح الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت