فهرس الكتاب

الصفحة 823 من 828

والخِتامِ: هذا الثاني، أي: انتهاء الكلام، لأنه آخر ما يفيد السامع ويرسم في الذهن، فإن كان حسنًا تلقاه السمع واستلذه، وجبر ما وقع فيما سبقه من تقصير، نعم .. العبرة بالخواتيم، حينئذٍ لا بد أن يأتي بالبيت الأخير بما يشمل معنىً حسنًا، لو كان في الكلام السابق تقصير لوفَّى الثاني الأخير بما حصل التقصير في السابق، ولذلك قال: فإن كان حسنًا تلقاه السمع واستلذه، وجبر ما وقع فيما سبقه من تقصير، ومتى كان بخلاف ذلك كان على العكس، وربما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق.

بِمَطْلَعٍ حَسَنْ: الباء سببية، أي: بسبب إيراد مطلع حسن، يعني: التأنق في البدء إنما يكون بالحسن في الطلوع، مطلع: هذا اسم مفعل يعني: إما مصدر ميمي، أو مصدر مكاني، يعني: يكون المصدر مصدرًا للطلوع الحسن. الباء سببية، أي: بسبب إيراد مطلعٍ حسن، والمراد بحسن هنا: حسنًا زائدًا على غيره، بما ليس بمطلعٍ، ومثله يُقال فيما بعده.

إذًا: بِمَطْلَعٍ حَسَن، تأنقٌ في البدء بماذا يكون؟ بالمطلع الحسن، يعني: هذا تفسيرٌ للبدء، وحُسْنُ القالِ، يعني: القال الحسن، عطفٌ على مطلع، من عطف السبب على المسبب، بالنظر لوصفه، وحُسْنُ القالِ: بأن يكون اللفظ في غاية البعد عن التنافر والثقل، هذا أمرٌ عام، سواءً كان في الافتتاح أو في الأثناء أو في الختام، إذ لا تتحقق البلاغة والفصاحة إلا بمثل ذلك.

وحُسْنُ القالِ وسَبكٍ، وهو حسن النظم، بأن يكون في غاية البعد عن التعقيد والتقديم والتأخير الملبسين، وأن تكون الألفاظ متقاربةً في الجزالة والمتانة، والرقة والسلاسة، وتكون المعاني مناسبةً لألفاظها من غير أن يكتسى اللفظ الشريف المعنى السخيف، أو على العكس، بل يصاغان بتلاؤم وتناسب، ويعول فيه على صحة المعنى، بأن يسلمه من التناقض والامتناع والابتذال، ومخالفة العرف ونحو ذلك، يعني: يحقق ما مضى .. يحقق كل ما سبق من المعاني السابقة في علم المعاني والبيان، وما ذُكِر من البديع.

وسَبكٌ اوْ براعَةُ استهلالِ: من الابتداء الحسن نوع أخص منه، وهو أحسنه وهو الأهم هنا في الأنواع الثلاثة: وهو أن يقدم في أول كلامه إشارةً إلى ما سيق الكلام لأجله، يعني: يشير في كلامه أنه يريد كذا في هذه المنظومة وهذه الخطبة أو نحوها، كقوله:

بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا وكوكب المجد في أفق العلا صعدا

إذًا: أول كلمة هذه براعة استهلال، لأنه أراد أن يُبشر، ولما قال: بشرى، عرفنا أن ما بعده مما يُبشر به، وأصل البراعة: التفوق، وأصل الاستهلال: رفع المولود صوته عند الولادة، استهل صارخًا، رفع المولود صوته عند الولاة المشعر بحياته، فسمي كل ما أشعر بشيءٍ في الابتداء، براعة استهلالٍ، والإضافة فيه على معنى اللام أو في.

إذًا: المطلع الحسن، وحسن القال، والسبك، وبراعة الاستهلال كلها مما يتعلق بالبدء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت