فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والحُسنُ في تَخَلُّصٍ: هذا الثالث، والحسن: هذا عطفٌ على تأنق، والمراد به الانتقال من المطلع إلى المقصود، يعني: المقدمة .. المطلع: المقدمة إلى المقصود، والحُسنُ في تَخَلُّصٍ: من محاسن الابتداء صنعة الانتقال من المطلع إلى المقصود، وهو ثلاثة أقسام، يعني: بماذا يكون؟ كيف تصنع، تريد أن تنتقل من الخطبة إلى المقصود، نحن لا نحسن إلا: أما بعد وسيذكرها، لأنها أسهلها، وأما غير ذلك ففيه شيء من الصعوبة يحتاج إلى إنسانٍ بليغ.
إذًا: الانتقال من المطلع إلى المقصود هذا من محاسن الكلام، لكنه يكون بواحدٍ من ثلاثة أمور:
الأول: التخلص مما ابتدئ به الكلام من نسيب ونحوه إلى ما سيق له من مدحٍ ونحوه مع رعاية الملائمة بينهما على وجهٍ سهلٍ يختلسه اختلاسًا لطيفًا رقيق المعاني بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني لشدة التلاؤم بينهما، يعني: يأتي بجملةٍ أو جمل لها علاقة بالمقدمة ولها علاقة بالمقصود، وحينئذٍ لا يشعر السامع إلا وهو ينتقل من المقدمة إلى هذه الجمل التخلص ولا علاقة بها، إلا وهو يمهد للمقصود به.
وهذا كما ترى أنه فيه شيءٌ من الصعوبة.
وكان هذا الموضع مما ينبغي التأنق فيه، لأن السامع يكون مترقبًا للانتقال من الافتتاح إلى المقصود كيف يكون؟ نعم، وهو كذلك، ولذلك تسمع خطبة: إن الحمد لله إلى آخره، ما تدري ماذا .. أما بعد: اتقوا الله أيها المسلمون، تنتظر ماذا عنده، فالذي يأتي هو الذي يكون مترقبًا في ذهن السامع، ولذلك العبارات لا بد أن تكون فيها شيءٌ من القوة، لأجل أن يصاب بدهشةٍ عند ترقبه.
للانتقال من الافتتاح إلى المقصود كيف يكون؟ فإذا كان حسنًا متلائم الطرفين حرك من نشاط السامع وأعان على الإصغاء لما بعده، وإلا لكان بالعكس، يعني: أورثه الملل.
وفي القرآن أمثلة كثيرةٌ على التخلص .. كثير جدًا، وهو أبدعها في القرآن، إذ فيه الخروج من الوعد والوعيد والتذكر بالإنذار، والبشارة بالجنة، إلى أمرٍ ونهيٍ ووعد ووعيد، بلطائف دقيقة تجمع بينهما وتجعلهما كلامًا واحدًا، ترى السورة من أولها إلى آخرها، انتقال من بيان أحكام وقصة نبي، ثم ينتقل إلى مسألة أخرى جنة ونار، ثم أمر ووعيد، ثم قصة نبي آخر، لا بد بين هذه القصص، وبين هذه الأمور المنتقل بها وعنها لا بد من ارتباطٍ، هذا النوع الأول.
وقد ينتقل من الفن الذي شبب الكلام به إلى ما لا يلائمه، يعني: مباشرةً، يدخل في الموضوع، وهذا يسمى: بالاقتضاب وهو الثاني: والحُسنُ في تَخَلُّصٍ اوِ اقْتضابْ، بإسقاط الهمزة، اوِ اقْتضابْ: اقتضب الشيء: قطعه، والكلام اختصره، وهو مذهب العرب الأُول، وممن يليهم من المخضرمين، كقول أبي تمام:
لوْ رأى الله أنَّ في الشيب خيرًا جاوَرَتهُ الأَبرارُ في الخلدِ شيبَا
كلُّ يومٍ تُبدِي صروفُ اللَّيالي خُلقًا من أبي سعيد غَريبَا
ومن الاقتضاب من يقرب من التخلص، وهذا الثالث.
إذًا: الاقتضاب أن يدخل مباشرةً من المقدمة إلى الخطبة .. إلى المقصود.