فهرس الكتاب

الصفحة 825 من 828

والثالث وهو الذي عناه بقوله: وفي الذي يدعونه فَصْلَ الخِطابْ، أما بعد وما كان في معناها .. هذا ونحوه، وفي الذي يدعونه، يعني: يسمونه فَصْلَ الخِطابْ، ومن الاقتضاب .. وهو نوعٌ من أنواع الاقتضاب، لكنه قريبٌ من التخلص السابق الأول، كقول القائل بعد حمد الله: أما بعد .. قيل: وهو فصل الخطاب على المشهور، وكقوله تعالى: (( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ) ) [ص:55] هذا فصل، يسمى اقتضاب، لكن لا بد من مناسبةٍ، أي: الأمر هذا، أو هذا كما ذُكِر، هذا: مبتدأ خبرٍ محذوف، أو بالعكس كما سيأتي.

وقوله تعالى: (( هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) ) [ص:49] ونحو قوله: هذا باب كذا، أو هذا فصل كذا، هذا اقتضاب، لأنه يأتي بالباب السابق: فصلٌ فيما لا يعد كذبًا، ثم يأتي بخاتمة: هذا باب أو فصل خاتمة، إذًا: هذا يراد به ربط ما بين البابين.

فالحسن في الاقتضاب تسويته بما يقرب من التخلص، وذلك فصله عما قبله بـ: أما بعد، فهو اقتضابٌ من جهة الانتقال من الحمد والثناء إلى كلامٍ آخر، من غير ملائمة، لكن يشبه التخلص حيث لم يؤتى بالكلام الآخر فجأة، بل قُصِد فيه نوعٌ من الربط من معنى مهما يكن من شيءٍ بعد الحمد والثناء فكذا، إذًا: هو فيه دخولٌ على ما لا يلائم، لكنه ما جاء به فجأةً.

إذًا: الانتقال من المقدمة إلى المقصود إما أن يكون بجملٍ مناسبة بين الطرفين، وهذا أعلاها، وهو المراد بالحسن في التخلص، وإما أن يكون هكذا فجأةً إلى ما لا يلائم، وإما أن يأتي برابط وهو: أما بعد، وهو يقربه من التخلص السابق.

وأجمع أهل البيان على أن فصل الخطاب هو: أما بعد، لأن المتكلم يفتتح كلامه في أمرٍ ذي شأنٍ، من ذكر الله تعالى وتحميده، فإذا أراد الخروج إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بقوله: أما بعد.

وفي الذي يدعونه فَصْلَ الخِطابْ: فصل مصدر بمعنى: اسم الفاعل، أي: الخطاب الفاصل بين ما قبله وما بعده، فصلٌ: هذا إما أن يكون بمعنى اسم الفاعل، أو بمعنى اسم المفعول. أو بمعنى المفعول، أي: المفصول به بين ما قبله وما بعده.

وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أما بعد، أخرجه الشيخان في قصة بريرة، أما بعد: هذه هي السنة، وبعد: هذه ليست بالسنة، وإن كان كثير من النحاة يجعلون الواو نائبةً مناب (أما) النائبة مناب (مهما) هذا من باب الإعراب فقط، أما من باب السنية هو هذا.

واختُلف في أول من نطق بها، والمشهور أنه داود، وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: يَعرُب بن قحطان، وقيل: سحبن بن وائل، وقيل: يعقوب.

والفصل بهذا: اسم إشارة، كما في المثالين السابقين الآيتين، هو اقتضابٌ أيضًا، ولذلك جاء في القرآن، لكن فيه نوع ارتباطٍ، لأن الواو بعده (( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ) ) [ص:55] الواو هذه واو الحال، ولفظ: هذا، إما خبرٌ لمحذوف، يعني: خبرٌ حُذِف مبتدؤه، الأمر هذا، أو مبتدؤٌ لمحذوف، أي: هذا كما ذكر، أو فاعل لفعلٍ محذوف، أي: مضى هذا، أو مفعولٌ لفعلٍ محذوف، أي: خذ هذا.

وهذه كلها شرحناها بالتفصيل عند قول صاحب الملحة:

وهذا وفي الأسماء ما لا ينصرف فجره كنصبه لا يختلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت