هم يعبرون بالحال ولا يعبرون بالمقام، هذا فيه تفصيل لبعض أهل البيان، الحال والمقام .. هكذا قال المرشدي: الحال والمقام متقاربا المفهوم، يعني: مفهوم الحال لفظ الحال .. الآن إذا جئنا نعبّر، هل نقول: طباقه لمقتضى الحال، أو طباقه لمقتضى المقام؟ نقول: الأولى لمقتضى الحال، والأصل هذا عبَّرَ بصاحب التخليص عبر بهذا، وعبر به السيوطي أيضًا في عقوده:
بلاغة الكلام أن يطابقا ... لمقتضى الحال ..
هنا عدلَ إلى لفظ المقام، هل ثَم فرقٌ بين الحال والمقام؟ نقول: الحال والمقام متقاربا المفهوم، وإذا كان الشيء قريبًا من الشيء لا يلزم أن يكون منه، أليس كذلك؟ إذا قيل: الشيء قريبًا من الشيء لا يلزم أن يكون منه، وبهذا بعضهم يعبر، يقول: الأشاعرة أقربُ الفرق إلى أهل السنة، هذا لا يلزم أن يكون من أهل السنة، أقرب الفرق والطوائف، يعني طوائف أهل البدع، أقرب الطوائف إلى أهل السنة والجماعة، لا يلزم أن يكونوا من أهل السنة.
فإذا كان الشيء قريبًا من الشيء لا يلزم أن يكون منه، وعليه لا تكون فرقة الأشاعرة من أهل السنة مطلقًا حتى في السبعة الأسماء:
له الحياةُ والكلامُ والبصر سمعٌ إرادةٌ وعلم واقتدر
بقدرةٍ .. إلى آخره ...
لأن إثبات هذه عند أهل السنة، إثباتها بالسمع، وهم يثبتونها بالعقل، أيضًا إثبات الكلام عندهم هو الكلام النفسي، وعند أهل السنة حسّيُّ، صفة صوت ولفظ وحرف، الحال والمقام متقاربا المفهوم والتغاير بينهما اعتباري، هذا في بعض أجزائه، فإن الأمر الداعي الذي يدعو كإنكار الحكم من المخاطب، فإن الأمر الداعي يُسمّى مقامًا متى؟ باعتبار توهّم كونه محلًا لورود الكلام فيه على خُصوصيةً ما، يعني: نُسمي حالة الإنكار مقامًا، لماذا؟ لتوهّم أن هذا الحال قد حلّ فيه الكلام، لوجود هذه الخصوصية، وهو كونُهُ منكِرًا فيقتضي حينئذٍ أن يكون الكلام مؤكَّدًا.
يُسمى مقامًا باعتبار توهّم كونه محلًا لورود الكلام فيه على خصوصيةٍ ما، وأيضًا يُسمى حالًا باعتبار آخر: وهو توهم كونه زمانًا له، إذن: باعتبار المحلية سُمي مقامًا، وبنظر آخر وهو الزمن سُمي حالًا، هذا على رأي التفتازاني: أن الحال الأصل فيه أنه الزمن، واعتُرض عليه بأن الحال ليس هو مطلق الزمن، وإنما هو ما يقابل الماضي والمستقبل، ولذلك ذهبَ بعضهم أن الحال هنا بمعنى الوصف، حال الإنكار، أي: وصف الإنكار، وعليه لا يمنع أن يكون لفظُ الزمن محدودا؛ لأن استعمال أو حذف الزمن من المصادر هذا شائع في لغة العرب:
جئت طلوعَ الشمس، يعني: وقتَ طلوع الشمس، وهذه المقتضيات كلها التقديم والتأخير والإنكار كلها مصادر، فحينئذٍ لا مانعَ أن يقال: زمن الإنكار أو زمن حال الإنكار على حسب لفظ الزمن. فلو قال التفتازاني فرضَهُ المرشدي: بكونه يتبدلُّ في الكلام يوهمُ أنه من أوصافه المتغيرة فيُسمى حالًا لم يبعد، وأحسن من هذا أن يقال: التغاير بين الحال والمقام أن المقام يُعتبر فيه إضافته إلى المقتضى، عندنا مقتضِي ومقتضَى، مقتَضِي هو حال الإنكار أو الإنكار نحذف كلمة حال، المقتضِي هو الإنكار، والمقتضَى التأكيد.