ويُوصفُ اللفظ بتلك باعتبار إفادة المعنى بتركيب؛ لأن المعاني والأغراض والمقاصد كما ذكرنا آنفًا أنها لا تكون إلا بكلام تام، ولذلك أخرجنا المضاف، المركب الإضافي، والجملة غير التامة، عن كونها توصف بالبلاغة، باعتبار إفادة المعنى بتركيبٍ يُصار إليه، إذن: نقولُ اختلف أهل البيان في البلاغة والفصاحة؛ لأن الفصاحة كما سبق أن بعض مراحلها يُوصف بها اللفظ دون المعنى، وهذا هو الأصل فيها: أن الفصاحة وصفٌ للفظ، وقد تكون وصفًا للمعنى.
والأصل في البلاغة وصفٌ للمعنى باعتبار اللفظ، والنظرُ يكون إلى المعاني الكلية التي تكون بالتراكيب، التراكيب التامة، يُوصف اللفظ بالبلاغة، لكن لا من حيث إنه لفظ وصوت؛ لأنه باعتبار ذلك لا يُوصف بكونه مطابقًا أو غير مطابق، وهذه العلة التي أخرجنا ما ذُكر:
لا يُوصف المفرد بكونه بليغًا، لماذا؟ لأنه لا يُعتبر مطابقًا ولا عدم مطابق، كذلك المركب الإضافي لا نصفُهُ بالبلاغة؛ لأن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والمفرد، والمركب الإضافي، والجملة غير التامة لا توصف بكونها مطابقة أو ليست مطابقة، إذن: يُوصف اللفظ بالبلاغة لا من حيث ما ذُكر، بل باعتبار إفادة المعنى المقصود بالتركيب.
المفرد لا يُوصف بالبلاغة، وإنما يُوصف بالفصاحة، وهل فصاحته لفظية أم معنوية؟ كلها لفظية.
فصاحة المفرد أن يخلُص من تنافرٍ: وهذا في اللفظ، غرابةٍ: وهذا في اللفظ، خُلْفٍ: هذا في اللفظ، وفصاحة الكلام لفظية أو معنوية؟ نوعان: لفظية ومعنوية، اللفظية: خلوصُهُ من التنافر والتعقيد اللفظي، والمعنوية: خلوصُهُ من التعقيد المعنوي، وفصاحة المتكلم معنوية أم لفظية؟ كلها معنوية.
إذن: تتقابل مع التفصيل؛ فصاحة المتكلم معنوية فقط، فصاحة المفرد لفظية فقط، فصاحة المتكلم لفظية ومعنوية، ... لفظية ومعنوية قسمان: قد يُطلق لفظُ الفصاحة على البلاغة، لكن باعتبار هذا المعنى، وإنما تُفسَّر بما فُسرت به البلاغة، يعني: قد يُتوسّع في لفظ بالفصاحة، فكما أنها أطلقت على فصاحة المفرد على ما ذكر، وفصاحة الكلام على ما ذكر، والمتكلم على ما ذكر قد يُطلق لفظ الفصاحة ويراد به مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع فصاحته لا بالاعتبار العام، وإنما باعتبار الأخص.
ويوصف اللفظ بتلك باعتبار إفادة المعنى بتركيب يُصار
وقد يسمى ذاك بالفصاحة ولبلاغة كلام الساحة
يعني: لها ساحة محدودة، يعني: لها طرفان وذكرنا هذا.
إذن: يُوصف اللفظ بالبلاغة باعتبار إفادة اللفظ المعنى بالتركيب، وهذا إنما يكون إذا كان كلامًا تامًا عند النحاة:
وجَعَلُوا بَلاغةَ الكلامِ ... طِباقَهُ لِمُقتَضى المَقامِ
ج
هذا هو حدُّ البلاغة في الكلام.
ثم قال:
وحافِظٌ تَأدِيةَ المعاني ... عَنْ خَطَأٍ يُعْرَفُ بالمعاني
ج
يعني: لماذا حُصِرَ هذا الفن في هذه الثلاثة الفنون؟ ذكر ثلاثة أبيات:
وحافِظٌ تَأدِيةَ المعاني
ج ... عَنْ خَطَأٍ يُعْرَفُ بالمعاني
جج
ذكرنا أن حدَّ البلاغة اشتمل على أمرين، لا يمكن أن تحصل البلاغةُ إلا بحصولها، وهذا ما يُعبّر عنه في الأصل وعند السيوطي رحمه الله بمرجع البلاغة:
ومرجع البلاغة التحرز عن الخطا في ذكر معنىً يبرز
والميزُ للفصيح من سواه ..