هذه أمران: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، هذا واحد.
الثاني: الميزُ للفصيح مِن سواه، هذا مرجع البلاغة، إذا انتفى أحدهما ووجد الآخر انتفت البلاغة، لا بد من وجودهما، نقول: تمييز الفصيح من سواه، لا تكون البلاغة ولا توجد إلا إذا مُيِّز الفصيح عن سواه، وهذا يكون بماذا؟ ذكرنا فيما سبق: أن يخلص من تنافرٍ غرابةٍ خُلْفٍ .. تنافر الكلم .. ضعف تأليفٍ .. تعقيد سلم، هذه ستة أمور:
الخلوص من التنافر في الكلمات، قلنا: هذا مردّه إلى الحس الباطن الذي هو الذوق السليم والطبع المستقيم.
الثاني: الغرابة، ما الذي يُميز لنا أن هذه الكلمة غريبة أو لا؟ ذكرناه فيما سبق، علمُ متنِ اللغة: وهو العلم بمعاني المفردات، اللسان والقاموس والمعاجم، هذه كلها هي التي تميّزُ لك أن هذه الكلمة غريبة وحشيّة غير مألوفة الاستعمال، أم أنها مألوفة الاستعمال، بمطالعة هذه الكتب وكثرةِ الورود عليها يكتسب الناظر فيها ملكة، فحينئذٍ يستطيع أن يحكم على الكلمة بأنها غريبة أو لا.
إذن: المرجع في معرفة غرابة الكلمة هو متن اللغة.
خُلْفٍ: مخالفة القواعد، هذا مرجعُهُ إلى فن الصرف، إذن: هذان فنّان.
وتنافر الكلم: هذا داخل في الحس السابق.
وضعف تأليفٍ: هذا فنّ النحو، النحو هو الذي يميّزُ لك أن هذا موافِق للأقيسة والقواعد التي استنبطها النحاة أم لا، والتعقيد اللفظي أيضًا: هذا مرده إلى علم النحو.
ومرجع البلاغة التحرز عن الخطا في الذكر معنىً يبرز
والميز للفصيح من سوه ذا يعرف في اللغة والصرف كذا
في النحو ..
هكذا؟ يُعرَف في اللغة، يعني: متن اللغة، والصرف كذا في النحو، هذه ثلاثة أمور، ماذا بقي معنا؟ بقي التعقيد المعنوي، والاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى، إذا عرفنا أن الغرابة ومخالفة قواعد الصرفيين، وضعف التأليف والتعقيد اللفظي، هذه مردها إلى علم النحو واللغة والصرف، ماذا بقي معنا من هذه الست؟ أمران: التعقيد المعنوي، وتأدية المعنى المراد الذي يحصل به الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد هو علم المعاني، وضعوا له علم المعاني، والذي يحصل به الاحتراز عن التعقيد المعنوي وضعوا له علم البيان، والبديع هذا يُعتبر كالترميم عند البيانيين، يعني: مكمّل للعلمين، يعني: لا يُؤتى به إلا إذا رُوعيت البلاغة، كانت مطابقة وفصيحة الكلمات، ووُجِدت فيها شروط ... فصاحة الكلام، حينئذٍ يؤتى بما يحسِّن، ما ذكره بقوله:
وما به وجوه تحسين الكلام يُعتبرُ من المحسنات الظاهرية فقط، وإن قسم إلى محسنات ظاهرية ومعنوية لكنه باعتبار كونه مكملًا لغيره فهو أمرٌ زائد عليه، فقال:
وحافظٌ تأدية المعاني ..
وحافظٌ، ما إعراب"حافظ"؟ مبتدأ نكرة، ولا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تفد. وحافظٌ تأدية المعاني، طيب! تأدية ما إعرابها؟ حافظٌ مبتدأ لا إشكال فيه، تأدية، هذا إعرابه مفعول به لحافظ، وحافظ؟ اسم فاعل، واسم الفاعل بشرطين:
كفعله اسم فاعلٍ في العمل إن كان عن مضيه بمعزل
وولي استفهامًا أو حرف ندا أو نفيًا أو جا صفةً أو مسندًا
هل ولي استفهام؟
وقد يكون نعت محذوفٍ عُرف ... فيستحق العمل الذي وُصف
كناطحٍ صخرةً يومًا ..