قال ابن حجر في فتح الباري: (فأراد البخاري التنبيه على ضعف الحديث - أي حديث المطلب الآتي - وأنه لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة) قال: (وهذا هو المعروف عند الشافعية وأنه لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها) [1] .
وعن جابر - رضي الله عنه - في حديثه الطويل في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم - عليه السلام - فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [2] فجعل المقام بينه وبين البيت. فذكر صلاته ركعتين [3] .
وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك في المسجد الحرام قد نصب عصا يصلي إليها [4] .
وعن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه [5] .
فهذه نصوص صحيحة صريحة في أن اتخاذ السترة في المسجد الحرام ومكة عمومًا مشروع. وعلى هذا فلا يجوز المرور بين يدي المصلي عامة، ولا أعلم دليلًا يستثني المسجد الحرام، والوعيد في الأحاديث عام يستحقه كل من يمر بين مصلّ في أي مكان.
وأما ما ورد عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت سبعًا، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطوّاف أحد [6] ، وفي رواية: (وليس بينه وبين الطواف سترة) ،فهذا قد استدل به من قال: لا سترة في المسجد الحرام. ولكن هذا الاستدلال غير ناهض؛ لوجوه منها:
الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة عن بعض أهله عن جده، وفيه علة أخرى، وهي الاختلاف في إسناده [7] .
(1) فتح الباري (1/ 576) .
(2) سورة البقرة: الآية 125.
(3) أخرجه مسلم رقم (1218) .
(4) أخرجه ابن أبي شيبة 01/ 277).
(5) أخرجه البخاري معلقًا مختصرًا، وانظر فتح الباري (1/ 581) ، وتغليق التعليق (2/ 247) ، وانظر في هذا الأثر وما قبله (حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -) للألباني (ص 24) ، ط الثالثة.
(6) أخرجه أحمد (6/ 399) ، وأبو داود رقم (2016) ، وابن ماجه (2/ 986) ، والنسائي (2/ 67، 5/ 235 ) ) واللفظ له.
(7) انظر السلسلة الضعيفة للألباني رقم (928) .