وليحذر المصلي أن يقف في صف متأخر مع وجود أمكنة خالية في الصفوف الأول، كما يفعله بعض الناس عندما يقيمون صفًا أو صفوفًا وبينهم وبين الإمام صفوف شاغرة، فإن هذا مخالف لقوله - صلى الله عليه وسلم:"أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه. . ."الحديث، وتقدم قريبًا، ولقوله - صلى الله عليه وسلم:"تقدموا فائتموا بي، وليأتكم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله" [1] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد، ومن فعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة، فإن هذا لا حرمة له) .
وقال: (بل إذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم، وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء) [2] .
وقال أيضًا: (والسنة في الصفوف أن يتموا الأول فالأول، ويتراصون في الصف، فمن صلى في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام كانت صلاته مكروهة، والله أعلم) [3] .
وختامًا أوجه نداء إلى أئمة المساجد أن يهتموا بتسوية الصفوف، ويأمروا المأمومين بذلك قبل تكبيرة الإحرام بألفاظ التسوية الثابتة في السنة؛ مثل: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، اعتدلوا، سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة، أتموا الصف الأول فالأول [4] ، ونحو ذلك، ويختار من الألفاظ الواردة ما يناسب الحال، والأولى عدم زيادة: (رحمكم الله) ؛ لعدم ورودها في أحاديث تسوية الصفوف.
ولا يكفي أن يقول الإمام ذلك دون أن يلتفت إلى المأمومين - كما عليه بعض الأئمة - ثم يكبر ويترك الخلل والفرجات، وعلى الإمام أن يحيي السنة المهجورة، فيأتي بنفسه إلى ناحية الصف لتسويته، أو يرسل رجلًا لتسوية الصف، فقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشرف بنفسه على تسوية الصف، قال أبو مسعود -
(1) انظر: القول المبين في أخطاء المصلين (ص 213) ، والحديث الثاني تقدم تخريجه في الحكم الرابع من هذا الفصل.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية (23/ 410) .
(3) المصدر السابق (23/ 408) .
(4) انظر: المصنّف لابن أبي شيبة (1/ 351) .