وهذا ما جعله الزركشي مسجدًا في العرف حث قال: (ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المصلّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يعطى حكمه، وكذلك الربط والمدارس فإنها هيئت لغير ذلك) [1] .
ولعل مراده بذلك العرف الشرعي، فإن العلماء أجمعوا على أن البقعة لا تكون مسجدًا حتى يقفها مالكها وقفًا صحيحًا مؤبدًا، لا اشتراط فيه ولا خيار. سواء وقفها واللفظ، أو وجد من القرائن الفعلية ما يدل على ذلك؛ كأن يبني مسجدًا ويأذن للناس في الصلاة فيه [2] .
فإن لم يوقف فليس بمسجد ولو اتخذ للصلاة، وذلك كما لو اتخذ رجل معذور شرعًا في التخلف عن الجماعة مصلى في بيته، أو اتخذت المرأة مصلى في قعر دارها، وكذا ما يوجد في الدوائر الحكومية، أو المدارس من أماكن يصلى فيها فليست بمساجد، فلا تعطى حكمه.
قال البغوي بعد إيراد حديث (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء المساجد في الدور. .) [3] : (وفي الحديث دليل على أن المكان لا يصير مسجدًا بالتسمية حتى يسبّله صاحبه، ولو صار مسجدًا لزال عنه ملك المالك) [4] .
وقد اختلف العلماء في مصلى العيد - وهو المكان المخصص لصلاة العيد سواء أحيط بسور أم لا - هل يعدّ مسجدًا فيعطى أحكام المساجد؟ قولان:
الأول: أن مصلى العيد ليس بمسجد، فلا يأخذ أحكامه، إلا ما يتعلق بطهارة البقعة، وتواصل الصفوف، والاقتداء بالإمام، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن مصلى العيد ليس له جماعة راتبة يقيمون الصلاة المفروضة، وما لا تقام فيه الصلاة المفروضة لا يعتبر مسجدًا، فلا تكون له أحكام المسجد [5] .
(1) إعلام الساجد ص (28) ، تحفة الراكع ص (12) . والرّبط: مفرده رباط وهو: المكان يبنى للفقراء.
(2) المغني (8/ 190) ، أحكام المساجد في الإسلام ص (18) .
(3) أخرجه الترمذي (594، 595) وأبو داود (455) وابن ماجه (758) ، وإسناده صحيح. إلا أنه أعلّ بالإرسال. لكن جاء وصله من ثقة فيقبل. والمراد بالدور: القبائل، كما فسرها سفيان ابن عيينة. ونقله الترمذي، وقيل: البيوت، وهو قول الخطابي. انظر: تحفة الأحوذي (3/ 206) ، معالم السنن (1/ 258) .
(4) شرح السنة (2/ 400) .
(5) انظر: المجموع (2/ 180) ، إعلام الساجد ص (386) .