قال البغوي: (ففيه دليل على أنه يجوز لمن صلى في جماعة أن يصليها ثانيًا مع جماعة آخرين، وأنه يجوز إقامة الجماعة في مسجد مرتين، وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين) [1] .
وقول المانعين: إنها صلاة متنقل وراء مفترض فيجوز تكرارها، وأما بمفترض فلا يجوز. فهذا فيه نظر قوي؛ فإنها إذا جازت بمفترض ومتنقل فما الذي ينفي جوازها بمفترضين؟ ومن ادعى الفرق فعليه الدليل [2] .
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" [3] .
فهذا الحديث نص صريح في فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يرد تقييد ذلك بالا تكون جماعة ثانية، بل جاء مطلقًا في فضل صلاة الجماعة، والرجل مع الرجل جماعة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل التضعيف لغير الفذ، فعلم أن ما زاد على الفذ فهو جماعة، فإذا أقام رجلان جماعة ثانية حصل لهما التضعيف - إن شاء الله لهذا الحديث، والله أعلم.
ولقد كان السلف الصالح من هذه الأمة أفهم منا لمدارك النصوص وأعلم بمقاصد الشرع، فجاء عن عدد منهم إقامة جماعة ثانية في مسجد قد صلى فيه، حين فاتتهم الجماعة الأولى.
فقد ورد عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمّع بعلقمة ومسروق والأسود [4] .
وجاء أنس - رضي الله عنه - إلى مسجد قد صلّي فيه فأذن وأقام، وصلى جماعة [5] .
وعن ابن جريج: قلت لعطاء: نفر دخلوا مسجد مكة خلاف الصلاة - أي: بعد الصلاة - ليلًا أو نهارًا أو يؤمهم أحدهم [6] ؟ قال: نعم، وما بأس ذلك؟ [7] .
وهناك آثار وأقوال أخرى تفيد جواز ذلك [8] ، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله.
(1) شرح السنة (3/ 438) ، وانظر شرح المهذب (4/ 222) .
(2) انظر تحفة الأحوذي (2/ 11) .
(3) أخرجه البخاري رقم (619) ، ومسلم (650) .
(4) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 323) . قال في بلوغ الأماني (5/ 344) : إسناده صحيح.
(5) أخرجه البخاري تعليًا (2/ 131 الفتح) . قال الحافظ في تغليق التعليق (2/ 277) : هذا إسناد صحيح موقوف. أهـ. وأخرجه ابن أبي شيبة (2/ 321) ، وعبد الرازق (2/ 291) .
(6) معطوف على مقدر، أي: أيصلون فرادى أو يؤمهم أحدهم؟
(7) المحلى لابن حزم (4/ 237، 238) .
(8) المصدر السابق، وانظر: فتاوى ابن باز (12/ 165 - 173) وابن عثميمين (15/ 93) .