فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 228

وأما ما ورد عن السلف من كراهية جماعة ثانية وأنهم يصلون فرادى فلعله محمول على ما إذا اعتاد أناس إقامة جماعة دائمة في مسجد لا إمام راتب، يصلون وحدهم، ويخرجون وحدهم، فهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الكلمة، والقضاء على وحدة المسلمين واجتماعهم، كما أنه سبب لاختلاف القلوب، والتهاون بالصلاة مع الإمام، ولئلا يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا، فيؤدي ذلك على تقليل الجماعة مع الإمام الراتب وهذا ممنوع [1] .

ولا ريب أن إقامة جماعة ثانية بصفة دائمة لم يكن في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك فيما بعد، فيكون من البدع، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [2] .

ومن الملاحظ أن إقامة جماعة ثانية لا يكون في الغالب من قوم كثر، بل يصلي واحد بمثله أو باثنين أو ثلاثة، ولا أظن أن أحدًا منهم يجري على باله تفريق الكلمة، أو التأخر عن الجماعة مع الإمام الراتب، ثم إن مثل هذه الجماعة إن وجدت في مساجدنا فهي في الغالب من عابري سبيل ليسوا من جماعة هذا المسجد الذي صلوا فيه، فالقول بجواز الجماعة الثانية على الصفة المذكورة وجيه، لما ذكر. والله اعلم.

أما ما يقع في المساجد التي على ظهر الطريق مما ليس فيه مؤذن راتب، ولا إمام معلوم، فيصلي فيه المارة جماعة جماعة فهذا لا محذور فيه؛ لأنه ليس فيه المعنى الذي تقدم من تفرق الكلمة، وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيجدون غيره إمامًا. قال النووي: (إذا لم يكن للمسجد إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية والثالثة بالإجماع) [3] .

وقد استدل المانعون من إقامة جماعة ثانية في المسجد بحديث أبي بكرة - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله فصلى بهم [4] .

ووجه الدلالة على المنع: أن الجماعة الثانية لو كانت مشروعة بلا كراهة لصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ولما اختار بيته على جماعة المسجد.

والجواب عن ذلك من وجهين:

(1) انظر الأم للشافعي (1/ 180) .

(2) مجموع الفتاوى (23/ 258) .

(3) المجموع شرح المهذب (4/ 222) .

(4) أخرجه الطبراني في الأوسط (5/ 304) وقال:"لهم لم يرو هذا الحديث عن خالد الحذّاء إلا أبو مطيع معاوية بن يحيى، ولا يروى عن أبي بكرة غلا بهذا الإسناد"قال في التقريب:"معاوية ابن يحيى الطرابلسي، أبو مطيع،. . . صدوق له أوهام"وانظر: مجمع الزوائد (2/ 45) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت