الأول: أن أحاديث فضل صلاة الجماعة أكثر وأقوى سندًا من هذا الحديث، فإنه مختلف في صحته، وللعلماء فيه كلام. وقد ذكره الهيثمي ثم قال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات) . وهذا لا يعني صحة الحديث، ولا أنه حس، على أن في سنده أبا مطيع معاوية بن يحيى، وهو متكلم فيه، بل إن الحافظ الذهبي في الميزان لما ترجمه ذكر له أحاديث مناكير، ومنها هذا [1] .
الثاني: على فرض صحة الحديث فليس فيه دلالة على المنع، وذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الحديث ليس بنص على أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع أهله فصلى بهم في المنزل، بل يحتمل أن يكون صلى بهم في المسجد، ويكون ميله إلى منزله لجمع أهله لا للصلاة فيه.
الثاني: سلمنا أنه صلى بهم في المنزل، فلا يثبت منه كراهة جماعة ثانية في المسجد، بل غاية ما يفيد أنه لو جاء رجل إلى مسجد قد صلي فيه فله أن لا يصلي فيه، بل يذهب إلى بيته ويصلي بأهله، وأما أنه لا يجوز له أن يصلي في ذلك المسجد بالجماعة، أو يكره له ذلك فلا دلالة للحديث عليه.
الثالث: لو ثبت من هذا الحديث كراهة تكرار الجماعة؛ لأجل أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في المسجد، فلآخر أن يستدل به على كراهة الصلاة فرادى؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في المسجد لا منفردًا ولا بالجماعة، وعليه فالرسول - صلى الله عليه وسلم - ترك فضل المسجد النبوي ولم يصل فيه منفردًا، وهم يقولون: لو كانت الجماعة الثانية مشروعة بلا كراهة لما ترك فضل المسجد النبوي [2] .
وإذا كان الحديث بهذه الاحتمالات فكيف يؤخذ به ويترك ما هو أوضح دلالة وأقوى سندًا؟ على أن المنع من إقامة جماعة ثانية قوي فيمن اعتاد التخلف عن الجماعة، وصار ديدنه إقامة جماعة ثانية. والله اعلم.
(1) ميزان الاعتدال (4/ 139، 140) .
(2) انظر تحفة الأحوذي (2/ 9) وما بعدها.