فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 228

إن ملازمة الإنسان لمكان خاص في المسجد قد يفقده لذة العبادة؛ لكثرة إلفه له وحرصه عليه، كما أنه قد يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة، وفيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة التي تشهد له يوم القيامة [1] .

وبعض الملازمين لمكان خاص يحقد على غيره إذا رآه في مكانه، وربما دعاه ذلك إلى إزاحة من سبقه إليه، أو التضجر منه، ورحم الله إمام السنة أبا عبد الله أحمد بن حنبل الذي قال عنه المروزي: (كان أبو عبد الله يقوم خلف الإمام، فجاء يومًا وقد تجافى الناس أن يصلي أحد في ذلك الموضع، فاعتزل وقام في طرف الصف، وقال: نهي أن يتخذ الرجل مصلاه مثل مربض البعير) [2] .

الخامس: أن تقديم المفارش أو العصي يجعل صاحبها يتأخر عن الحضور اتكالًا على ذلك، وهذا مشاهد، فإذا حضر تخطي رقاب الناس وآذاهم فجمع بين التخطي والتأخر.

السادس: أن في التحجير ترفعًا على الآخرين، وإحساسًا بالفارق الذي قد يفضي بصاحبه إلى الغرور والكبر، دون أن يشعر به صاحبه، وإنك لترى شيئًا من ذلك باديًا على وجوه كثير من المتحجرين في المسجد الحرام، وكيف يتخطون رقاب الناس على أماكنهم بلا مبالاة، ويمرون بينهم وبين سترتهم وهم يتنفلون، وهذا من الشهرة والرياء.

السابع: أن هذا التحجر يحدث النزاع ويسبب العداوة والشحناء في أفضل البقاع، وهي المساجد التي لم تبن إلا لذكر الله تعالى وعبادته، وكم رأينا وسمعنا نزاعًا يقع في بيت الله الحرام حول هذه الأماكن المحجوزة، ولا سيما مع من يقومون بذود الناس عنها!

الثامن: أن هؤلاء المتحجرين - ولا سيما في المسجد الحرام - إذا كان في الصف الذي أمامهم فرجة محاذية لأحدهم لم يتقدم لسدها خوفًا على مكانه، بل منهم من لا يرص الصف، بل يطلب من غيره أن يقترب؛ لئلا يزول عن مكانه. وهذا مخالف لنصوص الشريعة القاضية بسد الفرج والتراص في الصفوف.

(1) شرح فتح القدير (1/ 422) ، والدين الخالص للسبكي (3/ 203) .

(2) بدائع الفوائد لابن القيم (3/ 82) ، وانظر في هذا الموضوع مجموع الفتاوى (2/ 189، 193، 195) ؛ والفتاوى السعدية، للشيخ عبد الرحمن السعدي (ص182) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت