وهذا الحديث من أقوى ما ورد في الزجر عن التخطي، كما قاله الحافظ في الفتح [1] . وقد وقع التصريح في حبوط ثواب الجمعة للمتخطي في حديث ابن عمرو - رضي الله عنهما - مرفوعًا:"من لغا أو تخطى كانت له ظهرًا" [2] .
قال ابن وهب - أحد رواته: معناه: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة [3] .
والحديث المذكور فيه تقييد النهي عن التخطي بيوم الجمعة، وظاهر ذلك أن النهي مختص به. ويحتمل أن يكون التقييد بيوم الجمعة خرج مخرج الغالب؛ لاختصاص يوم الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات، وعليه فلا يختص النهي عن التخطي بيوم الجمعة، بل يكون عامًا لجميع الصلوات، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"فقد آذيت"فعلّل أمره بالجلوس بالأذية، وهي لا تختص بيوم الجمعة.
قال النووي: (ينهي الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيره عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورة) [4] .
وجاء في الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: (ليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى) [5] .
وهل تخطي الرقاب يوم الجمعة محرم أو مكروه؟ من أهل العلم من قال بالكراهة، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
ومنهم من قال: بالتحريم، قال النووي: إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة. أهـ [6] ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [7] ، قال في الإنصاف: (والظاهر أن الذم إنما يتوجه إلى فعل محرم) أهـ [8] . وقال في بلوغ الأماني: (وهو الذي أميل إليه وأختاره) [9] .
(1) فتح الباري (2/ 392) .
(2) يأتي بتمامه، ويذكر تخريجه في أحكام الجمعة إن شاء الله تعالى.
(3) فتح الباري (2/ 414) .
(4) المجموع شرح المهذب (4/ 546) ، ونيل الأوطار (3/ 287) .
(5) الاختيارات (ص81) .
(6) بلوغ الأماني (6/ 74) .
(7) الإنصاف (2/ 411) .
(8) الإنصاف (2/ 411) .
(9) بلوغ الأماني (6/ 74) .