وإذا ترك المتقدمون إلى الصفوف الأول فرجًا أو صفّوا في آخر المسجد وتركوا بين أيديهم صفوفًا خالية فلا حرمه لهم؛ لتقصيرهم. ولابد من تخطيهم لتكميل الصف الأول، أو لسد فرجة في الصفوف الأول، ولا يعد ذلك من الأذى؛ لأنهم اسقطوا حق أنفسهم بتأخرهم، وهذا هو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وقيده الشافعية بتخطي رجل أو رجلين، وهو رواية عن الإمام أحمد، وخصّ المالكية ذلك بما قبل جلوس الإمام على المنبر، وأما بعده فلا؛ لأن تأخره عن وقت السعي قد أبطل حقه في التخطي إلى الفرجة. ودليل ذلك حديث عبد الله بن بسر المتقدم:"فقد آذيت وآنيت"أي: تأخرت، وهذا قريب من مذهب الحنفية [1] ، والله أعلم.
2)مضايقة المصلين:
ومن الأذية: مضايقة المصلين المتقدمين ومزاحمتهم في أماكنهم بحيث يفقدون الراحة في صلاتهم وقراءتهم، وهذا يكثر فيمن يأتون يوم الجمعة متأخرين، فيجمعون بين التخطي والمضايقة والتأخر. وتكثر المضايقة في الحرمين الشريفين، كما في الجمعة، والعيد، وشهر رمضان المبارك، حتى أن بعض الداخلين المتأخرين يجلس أمامك ويمنع بدنك راحته، ومنهم من يدخل الصف قسرًا، بحيث لا يستطيع المصلي وضع يديه على صدره، ولا أداء صلاته براحة، وهذا من الجفاء، وعدم احترام المصلين المتقدمين، وهو من قلة الفقه في الدين.
إن المطلوب من المتقدمين أن يتفسحوا ويتوسعوا للداخل إن أمكن ذلك؛ امتثالًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"ولكن توسعوا"وتقدم بتمامه.
وهذا دليل التواضع المقتضي للمحبة، والنفوس جلبت على حب من أحسن إليها. وليس من خلق المسلم أن يكون جشعًا فيأخذ من الأمكنة ما يزيد عن حاجته، ويأنف أن يفسح لغيره، ويجمع بين سوء القول وقبح الفعل.
(1) المغني (3/ 231) ، والإنصاف (2411) ، والمجموع (4/ 545) ، والمنتقى للباجي (1/ 203) .