الطحاوي - رحمه الله - في"شرح معاني الآثار" [1] عن قوم من السلف القول بالوجوب، وهو ظاهر من صيغة الأمر في قوله - صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن" [2] .
وقد ذكر العلماء أن هذا الأمر صرف عن الوجوب بما ورد عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع مؤذنًا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"على الفطرة". ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد لا إله إلا الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"خرجت من النار"فإذا هو راعي معزى [3] .
لكن يحتمل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أجاب المؤذن فقال مثل ما قال، إذ ليس في الحديث ما ينفي ذلك، ثم إن هذا فعل، والأمر السابق قول، والفعل منه - صلى الله عليه وسلم - لا يعارض القول الخاص بالأمة [4] .
والأظهر أن الصارف عن الوجوب قول - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث ومن معه:"إذا حضرت الصلاة فيؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم" [5] ، ووجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم، والحاجة داعية إلى بيان كل ما يحتاجه هؤلاء الذين وفدوا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد لبثوا عنده عشرين يومًا، وقد لا يكون عندهم علم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في متابعة الأذان، فما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان ذلك مع دعاء الحاجة إليه علم أن المتابعة غير واجبة [6] .
وقد ورد في الموطأ عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذن"قال ثعلبة"جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد [7] .
قال النووي في شرح المهذب على هذا الأثر: وفيه جواز الكلام حال الأذان [8] . أهـ.
(1) شرح معاني الآثار (1/ 146) .
(2) نيل الأوطار (2/ 59) ، والحديث أخرجه البخاري (2/ 90) ، ومسلم (4/ 327) .
(3) أخرجه مسلم برقم (382) ، وانظر شرح معاني الآثار (1/ 146) .
(4) انظر: فتح الباري (2/ 93) ، ونيل الأوطار (2/ 59) .
(5) أخرجه البخاري (631) ومسلم (674) وتقدم ذلك في الحكم الرابع عشر.
(6) انظر: الشرح الممتع (2/ 75) .
(7) أخرجه مالك في الموطأ (1/ 103) ، وصححه النووي في شرح المهذب (4/ 550) ، وانظر: تمام المنة (ص 339) .
(8) شرح المهذب (4/ 550) .