كما تراني، قد دبرت سني، ورقّ عظمي، وذهب بصري، ولي قائد لا يلايمني قيادتي إياي، فهل تجد لي من رخصة أصلي في بيتي الصلوات؟
قال:"هل تسمع المؤذن من البيت الذي أنت فيه"؟
قال: نعم. يا رسول الله!
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما أجد لك من رخصة. ولو يعلم هذا المتخلف عن الصلاة في الجماعة ما لهذا الماشي إليها لأتاها ولو حبوا على يديه ورجليه" [1] .
إن جميع ما تقدم دليل واضح وبرهان قاطع على أن حضور الجماعة في المساجد واجب، وأنه لا رخصة في التخلف عنها إلا من عذر يمنع الحضور، ولو كان التخلف سائغًا أو الحضور ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم - رضي الله عنه -، وإذا كان الأعمى لا رخصة له فالبصير أولى بأن لا تكون له رخصة [2] .
إن الجماعة في نظر الشارع هي جماعة المسجد لا جماعة البيوت ولا غيرها. والتضعيف خاص بجماعة المسجد - كما تقدم - ومن صلى في بيته مع أهله أو غيره واعتقد أنه صلى في جماعة وأنه ينال التضعيف فاعتقاده بمعزل عن الصواب.
ومما يدل على أن الجماعة تكون في المساجد دون البيوت أن السلف من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم إذا طمعوا في إدراك جماعة المسجد لم يكونوا يصلونها في البيوت، بل كان الواحد منهم إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلى آخر. قال البخاري - رحمه الله - في صحيحه: (وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلى مسجد آخر) [3] .
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 266) ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 247) .
(2) انظر معالم السنن للخطابي (1/ 160) .
(3) فتح الباري (2/ 131) .