فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 228

ولقد زهد في هذا الثواب العظيم كثير من الناس في زماننا هذا مع كثرة المساجد وقربها من البيوت، فصاروا يتخلفون عن صلاة الجماعة عمومًا، أو عن صلاة الفجر خصوصًا، ثم يذكرون أعذارًا لا تنفعهم عند الله، وهم يتقلبون في نعم الخالق من المال والصحة والمسكن والأمن.

إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرخص لعبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه - في التخلف عن صلاة الجماعة، مع وجود أعذار ستة، دلت عليها النصوص [1] ، وإليك بيانها؛ لتعلم تأكيد الإسلام لصلاة الجماعة، ولتعلم أن هذه الأعذار لو كانت موجودة لديك فلا رخصة لك في التخلف، ولو وجد عذر واحد فقط فلا رخصة لك من باب أولى، فكيف وليس لك عذر؟! اقرأها أو اسمعها وكن منصفًا. .:

1)العذر الأول: كونه فاقد البصر.

2)العذر الثاني: عدم وجود قائد يرافقه إلى المسجد. وقد دل على هذين العذرين حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى النبّي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال:"هل تسمع النداء بالصلاة"؟ فقال: نعم، قال:"فأجب" [2] .

3)العذر الثالث: بعد داره عن المسجد. وقد دل عليه ما رواه عبد الله ابن أم مكتوم - رضي الله عنه - أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلاومني (لا يلايمني) فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟

قال:"هل تسمع النداء"؟

قال: نعم.

قال:"لا أجد لك رخصة" [3] .

ما أعظم صلاة الجماعةَ! إنه أعمى، وداره بعيدة، ولا قائد له، لكن يجب عليه أن يصلي في المسجد ما دام أنه يسمع النداء. نعم داره بعيدة، وله عذر، فكيف بمن داره قريبة، وهو مبصر، وصوت المؤذن يخترق أجواء بيته؟؟ ورحم الله الإمام ابن خزيمة على تبويبه لهذا الحديث بقوله: (باب أمر العميان بشهود صلاة الجماعة وإن كانت منازلهم نائية عن المسجد لا يطاوعهم قائدهم بإتيانهم إياهم المساجد. والدليل على أن شهود الجماعة فريضة لا فضيلة، إذ غير جائز أن يقال:"لا رخصة في ترك الفضيلة") [4] .

4)العذر الرابع: وجود شجر ونخل بينه وبين المسجد. وقد دل على ذلك ما رواه أم مكتوم - أيضًا - رضي الله عنه؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى المسجد، فرأى في القوم رقّة فقال:"إن لأهم أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه". فقال ابن أم مكتوم - رضي الله عنه: يا رسول الله! إن بيني وبين المسجد نخلا وشجرًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال:"أتسمع الإقامة"؟ قال: نعم، قال:"فأتها" [5] .

5)العذر الخامس: وجود الهوام والسباع في المدينة. وقد دل على ذلك ما رواه ابن أم مكتوم - أيضًا - رضي الله عنه، قال: يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح. فحيّ هلا" [6] أي: أقبل وأجب.

6)العذر السادس: كبر سنة ورق عظمه. وقد دل عليه ما ورد عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: أقبل ابن أم مكتوم - رضي الله عنه، وهو أعمى، وهو الذي نزل فيه: {عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى} [7] وكان رجلًا من قريش - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: يا رسول الله! بأبي وأمي، أنا

(1) انظر كتاب (أهمية صلاة الجماعة) للدكتور: فضيل إلهي (ص46) وما بعدها.

(2) أخرجه مسلم رقم (653) .

(3) أخرجه أبو داود (2/ 257) ، وقال عنه النووي: (رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن) [شرح المهذب 4/ 191] . وقوله: (لا يمني) أصله: يلائمني بالهمز أي: يوافقني ثم خفف الهمز فصار ياء، وقد جاء في رواية بالواو [النهاية لابن الأثير 4/ 278] .

(4) صحيح ابن خزيمة (2/ 368) .

(5) أخرجه أحمد (24/ 245) . قال في بلوغ الأماني (5/ 178) : (وأخرجه ابن خزيمة(1479) والحاكم (1/ 247) وصحح إسناده وأقره الذهبي) وله شاهد من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه وقد تقدم في أول الكلام.

(6) أخرجه أبو داود (2/ 257) ، والحاكم (1/ 247) ، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

(7) سورة عبس: الآيتان 1 - 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت