وعن سعيد بن المسيّب قال: حضر رجلًا من الأنصار الموت فقال: إني محدثكم حديثًا ما أحدثكموه إلا احتسابًا؛ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله عز وجل له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عز وجل عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد. فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضًا وبقي بعض صلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة، كان كذلك" [1] .
فعلى المصلي أن يخرج إلى صلاته بسكينة ووقار، وأن يجتنب العبث في طريقه إلى المسجد، فلا يتكلم بكلام قبيح؛ لأنه في هذا الموضع أقبح. ولا ينظر على ما لا يحل له، ولا يتعاطى ما يكره، فكل ذلك يتعين اجتنابه، وهو في هذا الموضع أهم.
واعلم أن هذه الأحاديث التي فيها الأمر بالمشي إلى الصلاة والنهي عن الإسراع عامة في جميع الأحوال، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات ركعة، أو فوات الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك. كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، وهذا هو الصواب إن شاء الله؛ لأن النصوص عامة لم تستثن حالة واحدة، ولا يجوز لأحد أن يخصص نصًا إلا بدليل، بل قد ورد ما يدل على العموم، وهو ما جاء عن قتادة عن أبيه قال: بينما نحن جلوس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع جلبة رجال فلما صلى قال:"ما شأنكم"؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال:"فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" [2] .
فهذا حديث عام غير مخصّص بسماع الإقامة، وهو دال على العموم في جميع الأحوال، وفي جميع الصلوات، كما تقدم.
وأما ما ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسرعون إذا سمعوا الإقامة فلعله محمول على أنه لم يبلغهم النهي، ومن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه.
إن أكثر الداخلين إلى المساجد يخلّون بهذا الأدب فتراهم إذا ركع الإمام يسرعون فيشوشون على أنفسهم، بالعجلة وعدم التأني، وعلى غيرهم من المصلين بأصوات أحذيتهم وحركات أرجلهم، وإعلامهم الإمام بدخولهم لينتظرهم، وهذا مخالف للهدي النبوي:"فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، ولا يعد المشي بهدوء استهانة بالصلاة كما يفهمه بعض الناس، بل هذا عين الاهتمام بالصلاة، فإن الإنسان في صلاة منذ خروجه من منزله للصلاة.
فإن قال قائل: وما معنى قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله. . .} [3] مع حديث:"فلا تأتوها وأنتم تسعون"؟
فالجواب - والله أعلم - أن المراد بالسعي في الحديث: الإسراع والعدو، بدليل مقابلة السعي بالمشي في قوله:"وأتوها وأنتم تمشون"، فيكون الحديث نهيًا عن الإسراع.
وأما السعي في الآية الكريمة فهو: المضيّ والذهاب. يقال: سعيت في كذا أو إلى كذا: إذا ذهبت إليه وعملت فيه. قال البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه في كتاب الجمعة: (باب المشي إلى الجمعة. وقول الله جل ذكره: {فاسعوا إلى ذكر الله} ، ومن قال: السعي: العمل والذهاب؛ لقول الله تعالى: {وسعى إليها سعيها} ) ثم ذكر حديث أبي هريرة - رضي الله عنه:"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون"وتقدم بلفظ آخر، وإيراد البخاري حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في هذا الباب بعد الآية يشعر بأنه يرى أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها، كما ذكره الحافظ في الفتح [4] . وعلى هذا يكون المراد بالسعي في الآية - والله أعلم - هو المضي إلى الجمعة والذهاب إليها، مع الجد والمبادرة ومراعاة ما جاء في السنة من السكينة والوقار، قال الراغب الأصفهاني: (السعي: المشي السريع. وهو دون العدو، ويستعمل للجد
(1) أخرجه أبو داود رقم (563) . وصححه الألباني في"صحيح أبي داود" (1/ 112) وانظر: تحفة الأشراف (11/ 157) .
(2) أخرجه البخاري رقم (609) ، ومسلم (603) ، وانظر القواعد النورانية لابن تيمية (ص 49) ففيها بيان أن الأمر بالسكينة في المشي إلى الصلاة يقتضي وجوب السكينة في الصلاة. وهذه من الفوائد.
(3) سورة الجمعة: الآية 9.
(4) فتح الباري (2/ 390) .