ومما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي غير ما ذكر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتحية المسجد حال الخطبة، كما سيأتي إن شاء الله. والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد؛ لأن السامع منهي عن كل ما يشغله عن الاستماع حتى الصلاة حيث أمر الشرع بتخفيفها، فإذا فعلت تحية المسجد وقت الخطبة ففعلها في سائر الأوقات أولى [1] .
ثم إن تحية المسجد كغيرها من ذوات الأسباب تفوت إذا أخرت عن وقت النهي ويحرم المصلي ثوابها، وهذا بخلاف النفل المطلق، فإنه إذا منع منه المكلف وقت النهي ففي غيره من الأوقات متسع لفعله، فلا تضييق عليه ولا حرمان، بل قد يكون في المنع من الصلاة في بعض الأوقات مصلحة للمكلف من إجمام نفسه وإقبالها على فعل الطاعة بنشاط، وهذا أمر ملحوظ [2] .
وعلى هذا فتحمل أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المذكورة على ما لا سبب له، كالنفل المطلق، ويخص منها ما له سبب كتحية المسجد. وهذا هو الرأي المختار - إن شاء الله - وبه تجتمع الأدلة، ويعمل بها كلها [3] . والله أعلم.
المسألة الثالثة: لا صلاة إذا أقيمت الصلاة
أعلم أن النافلة لا تشرع إذا دخل المسجد والإمام في الفريضة، أو قد شرع المؤذن في الإقامة، أو دخل والصلاة ستقام، فلا تصلي تحية المسجد في هذه الحالات؛ وذلك لعموم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" [4] . وعند ابن حبان:"إذا أخذ المؤذن في الإقامة" [5] .
(1) انظر مجموع الفتاوى (23/ 192، 193) .
(2) انظر مجموع الفتاوى (23/ 187، 196) .
(3) انظر فتح الباري (2/ 59) ، وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - عليه.
(4) أخرجه مسلم رقم (710) ، وأبو داود (4/ 143) ، والترمذي (2/ 481) ، والنسائي (2/ 16) .
(5) صحيح ابن حبان (3/ 307) ، ورجال إسناده ثقات.