ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" [1] ، وهذا عام في كل صلاة كما يفيده النفي بـ (لا) التي لنفي الجنس، فتدخل تحية المسجد في هذا العموم المنفي."
فذهب الأولون إلى تخصيص عموم حديث: (لا صلاة بعد الصبح. .) إلخ بحديث تحية المسجد، فأخرجوها من عموم هذا الحديث، فتصلى في أوقات النهي، وذلك لأن حديث (لا صلاة) قد ثبت تخصيصه بغير تحية المسجد، ومن ذلك: قضاء الفوائت؛ لحديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من نسي صلاة فيصلّ إذا ذكرها، لا كفار لها إلا ذلك: {وأقم الصلاة لذكرى} [2] ."
ومن ذلك - أيضًا: إعادة الجماعة، لحديث يزيد بن الأسود - رضي الله عنه - قال: شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف، فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا. فقال:"علي بهما"، فجيء بهما ترعد فرائصهما فقال:"ما منعكما أن تصليا معنا"؟ فقالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا، قال:"فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة" [3] فهذا صريح في جواز إعادة الجماعة لمن دخل مسجدًا وأهله يصلون بعد الفجر وهو وقت نهي.
ومن ذلك - أيضًا: ركعتا الطواف، لحديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يا بني عبد مناف لا تنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار" [4] .
فهذه الأحاديث وغيرها مخصصة لعموم حديث"لا صلاة"، وحديث تحية المسجد عام محفوظ لم يدخله التخصيص، وأحاديث النهي ليس فيها حديث واحد عام باق على عمومه، بل كلها مخصوصة، والعام والذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص [5] .
(1) أخرجه البخاري رقم (561) ، ومسلم رقم (827) .
(2) أخرجه البخاري رقم (572) ، ومسلم رقم (684) .
(3) أخرجه أبو داود (2/ 283) ، والترمذي (219) ، والنسائي (2/ 112) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والفرائص بالصاد: جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها. قاله في النهاية (3/ 431) .
(4) أخرجه الترمذي (3/ 604) ، والنسائي (1/ 284) ، وأحمد (4/ 80) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(5) انظر مجموع الفتاوى (23/ 185، 195) ، وإعلام الموقعين لابن القيم (2/ 322) .