والقول الرابع: القرآن كلّه،، فعلى هذا، في تسمية القرآن بالمثاني أربعة أقوال: أحدها: لأن بعض الآيات يتلو بعضًا، فتثنَّى الآخرة على الأولى، ولها مقاطع تفصل الآية بعد الآية حتى تنقضيَ السورة. والثاني: أنه سمي بالمثاني لِما يتردَّد فيه من الثناء على الله عزّ وجلّ. والثالث: لما يتردَّد فيه من ذِكْر الجنة، والنار، والثواب، والعقاب. والرابع: لأن الأقاصيص، والأخبار، والمواعظ، والآداب، ثنِّيت فيه ..
وقال ابن قتيبة: قد يكون المثاني سور القرآن كله، قصارها وطوالها، وإِنما سمي مثاني، لأنّ الأنبياء والقصص تثنّى فيه،
قوله تعالى: {وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} يعني: العظيم القَدْر، لأنه كلامُ الله تعالى، ووحيُه، وفي المراد به ها هنا قولان: أحدهما: أنه جميع القرآن. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والضحاك.
والثاني: أنه الفاتحة أيضًا، قاله أبو هريرة [1] .
وفي السُّنة ما يدل على أنها الفاتحة فقد مر بنا حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى عندما قَالَ له النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ... فَقَالَ:" {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الْفَاتِحَةِ: 2] هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ" [2] .
وروَى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ" [3]
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْفَاتِحَةَ هي السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَلَكِنْ هذا لَا يُنَافِي وَصْفَ غَيْرِهَا مِنَ السَّبْعِ الطُّوَل بِذَلِكَ، لِمَا فِيهَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، كَمَا لَا يُنَافِي وَصْفَ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ بِذَلِكَ أَيْضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزُّمَرِ: 23] فَهُوَ مَثَانِي مِنْ وَجْهٍ، وَمُتَشَابِهٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَيْضًا، كَمَا أَنَّهُ، عَلَيْهِ الصلاة و السَّلَامُ لَمَّا سُئل عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى
(1) - زاد المسير في علم التفسير (2/ 541 - 543) باختصار يسير
(2) - صحيح البخاري برقم (4703)
(3) - صحيح البخاري برقم (4704) .