روى أبو بكر بن أبي داود السجستاني بسنده عن أبي مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيُّ (واسمه سَلَّامٍ وقيل راشد) َقالَ:"جَمَعَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الْحُفَّاظَ وَالْقُرَّاءَ قَالَ: فَكُنْتُ فِيهِمْ، فَقَالَ:"أَخْبِرُونِي عَنِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، كَمْ هُوَ مِنْ حَرْفٍ؟ قَالَ: فَجَعَلْنَا نَحْسُبُ، حَتَّى أَجْمَعُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ حَرْفٍ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَسَبْعُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَأَرْبَعُونَ حَرْفًا. قَالَ: فَأَخْبِرُونِي إِلَى أَيِّ حَرْفٍ يَنْتَهِي نِصْفُ الْقُرْآنِ، فَحَسَبُوا فَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يَنْتَهِي فِي الْكَهْفِ {وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] فِي الْفَاءِ.
قَالَ: فَأَخْبِرُونِي بِأَسْبَاعِهِ عَلَى الْحُرُوفِ- أو عَلَى عَدَدِ الْحُرُوفِ - قَالَ:
فَإِذَا أَوَّلُ سُبُعٍ فِي النِّسَاءِ: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مِنْ صَدَّ} [النساء: 55] فِي الدَّالِ.
وَالسُّبُعُ الثَّانِي: فِي الْأَعْرَافِ {أُولَئِكَ حَبِطَتْ} {آية 147} فِي التَّاءِ.
وَالسُّبُعُ الثَّالِثُ: فِي الرَّعْدِ {أُكُلُهَا دَائِمٌ} [الرعد: 35] فِي الْأَلِفِ آخِرِ {أُكُلُهَا} ،
وَالسُّبُعُ الرَّابِعُ: فِي الْحَجِّ {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا} [الحج: 67] فِي الْأَلِفِ.
وَالسُّبُعُ الْخَامِسُ: فِي الْأَحْزَابِ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ} [الأحزاب: 36] فِي الْهَاءِ.
وَالسُّبُعُ السَّادِسُ: فِي الْفَتْحِ {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوءِ} [الفتح: 6] فِي الْوَاوِ.
وَالسَّابِعُ: مَا بَقِيَ مِنَ الْقُرْآنِ.
قَالَ-أي الحجاج- فَأَخْبِرُونِي بِأَثْلَاثِهِ، قَالُوا: الثُّلُثُ الْأَوَّلُ: رَأْسُ مِائَةِ آيَةٍ مِنْ بَرَاءَةَ، وَالثُّلُثُ الثَّانِي: رَأْسُ إِحْدَى وَمِائَةٍ مِنْ طسم الشُّعَرَاءِ، وَالثُّلُثُ الثَّالِثُ: مَا بَقِيَ مِنَ الْقُرْآنِ""
قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيِّ:"وَسَأَلَنَا عَنْ أَرْبَاعِهِ، فَإِذَا أَوَّلُ رُبُعٍ خَاتِمَةُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَالرُّبُعُ الثَّانِي الْكَهْفُ {وَلْيَتَلَطَّفْ} [الكهف: 19] ، وَالرُّبُعُ الثَّالِثُ خَاتِمَةُ الزُّمَرِ، وَالرَّابِعُ مَا بَقِيَ مِنَ الْقُرْآنِ"قَالَ: عَلِمْنَاهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. أهـ [1] .
كانت هذه نظرة الحجاج مع القراء والحفاظ، وكانت تجزئته للقرآن بوفق عدد حروفه، ولقد رأيناه كيف جزّأه نصفين، ثم أسباعا، ثم أثلاثا، ثم أرباعًا. وأظنه أراد هذه التجزئة من أجل التيسير على القراء، فجعله نصفين على القاراء المجد، ثم أثلاثا على اللاحق، ثم أرباعًا على من يتلو اللاحق، ثم أسباعًا على من يريد أن يتمه في أسبوع، ولم يجزئه لأقل من ذلك لأنه لم يرد أن يُختم في أكثرمن أسبوع. وما وقف التيسير عند هذا الحد، بل نرى الميسّرين أرخوا للقارئين إلى أن بلغوا
(1) - كتاب المصاحف لابن أبي داود (1/ 276 - 279) تحقيق: محمد بن عبده-الناشر: الفاروق الحديثة - القاهرة