نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة. كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك، لا يلزم فيه البداء، لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم الأزلي. فكذا الأَمر والنهي كما هو واضح.
ولا يقع النسخ إلاَّ في الأَمر والنَّهي، ولو بلفظ الخبر. أَما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ، ومنه الوعد والوعيد. وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أَدخل في كتب النسخ كثيرًا من آيات الإِخبار والوعد والوعيد [1] .
قول الله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {البقرة:106} وقوله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} {النحل:101} وقوله: {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ} {الأعلى:6 - 7}
* والنسخ في القرآن على ثلاثة أَضرب:
أَحدها: ما نسخ تلاوته وحكمه معًا. وهو قليل, ويُستدل له بقول الله تعالى: {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ} {الأعلى:6 - 7} . ومثّلوا له بقول عائشة رضي الله عنها: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ [2] ". فقول"عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ"نُسخ حكمًا وتلاوة."
الضرب الثاني: ما نُسخ تلاوته وبقي حكمه، ومثّلوا له بقول عائشة رضي الله عنها (في الحديث السابق) :"ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ"فهذا نُسخت تلاوته وبقي حكمه عند الشافعي رحمه الله ومن وافقه.
وقد تكلموا في قولها: (وهنَّ مما يقرأُ من القرآن) : فإن ظاهره بقاء التلاوة، وليس كذلك.
وأُجيب بأَن المراد: قارب الوفاة، أَو المراد: أَنَّ التلاوة نُسِخت أَيضًا، ولم يبلغ ذلك
(1) -السيوطي/ الإتقان (3/ 60) , الشيخ محمد أبو زهرة/أصول الفقه: ص:172 ,الأشقر/ الواضح في أصول الفقه ص:82
(2) - رواه مالك (1270) ومسلم (1452) وغيرهما.