فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 142

كل الناس إلاَّ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَتُوُفِّي وبعض الناس ما زال يقرؤُها ولم يعلم بنسخها. وهذا هو الأظهر.

وقال أَبو موسى الأَشعريُّ: نزلت ثم رفعت.

ومثلوا لهذا الضرب أيضًا بآية الرجم فقد بقي حُكمها ونسخت تلاوتها: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ مَا أَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ إِذَا أُحْصِنَ الرَّجُلُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ حَمْلٌ أَوْ اعْتِرَافٌ وَقَدْ قَرَأْتُهَا"الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ"رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ" [1] . وأقر الصحابة عمر على قوله هذا ولم ينكر عليه أحد منهم."

وقد أَورد بعضهم فيه سؤالًا وهو: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلاَّ أبقيَت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟

وأَجاب صاحب الفنون: بأَنَّ ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأُمَّة في المسارعة إِلى بذل النفوس بطريق الظنِّ، من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأَيسر شيء، كما سارع الخليل إبراهيم إلى ذبح ولدِه بمنام، والمنام أَدنى طريق الوحي [2] .

* وقد أنكر بعض المبتدعة هذين الضربين من النسخ، ويُرَد عليهم بمفهوم قول الله تعالى: {سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ} {الأعلى:6 - 7} وقد زعموا أن القول بهذا النسخ نوع من القول بوقوع التحريف في القرآن، وهذه مغالطة واضحة، إذ الفرق واضح بين الاثنين، فالتحريف يكون من فعل البشر، وليس بوحي، ولا يستند إلى دليل شرعي، أما النسخ فلا يكون إلا بوحي من الله تعالى، لذلك لا يؤخذ النسخ من العقل ولا من أقوال الأئمة أوغيرهم من العلماء والمفسرين، بل لابد فيه من النص الموحى به قرأنًا كان أو سنةً عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك لا يوجد في التحريف كما هو معلوم [3] .

(1) - صحيح: رواه ابن ماجة (2553) وغيره, والحديث في الصحيحين بدون ذكر الآية المنسوخة.

(2) -السيوطي/ الإتقان (3/ 72)

(3) - قال الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان (2/ 447) : لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة. لأن الله جلَّ وعلا يقول: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] - وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع. لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم: لأنه ما دام حيًا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، ولا حجة معه في قول الأمة، لأن اتِّباعه فرض على كل أحد ولذا لا بد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، كما قال صاحب المراقي في تعريف الإجماع:

وهو الاتفاق من مجتهدي ... الأمة من بعد وفاة أحمد

وبعد وفاته ينقطع النسخ. لأنه تشريع، ولا تشريع البتة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وإلى كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار في مراقي السعود أيضًا بقوله في النسخ:

فلم يكن بالعقل أو مجرد ... الإجماع بل ينمى إلى المستند

وقوله «بل ينمى إلى المستند» يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن نصًا منسوخٌ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع. لما ذكرنا من منع النسخ به شرعًا. وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق. أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت