وبعضهم يقول: يستعيذ ثم يرجع إلى موضعه الذي وقف فيه، وبالأول قال أسانيد الحجاز والعراق، وبالثاني قال أسانيد الشام ومصر. أهـ [1] .
(فائدة: 8) أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن ولا آية منه [2] .
ذكر الإمام فخر الدين الرازي - رحمه الله - في تفسيره الكبير تسع عشرة لطيفة في الاستعاذة وننتقي منها ما يلي:
1 -قوله:"أعوذ بالله"اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب وهذا يدل على أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار.
2 -ومنها: الشيطان عدوالإنسان كما قال تعالي: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] والرحمن مولى الإنسان وخالقه ومصلح مهماته ثم إن الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى مرضاة الله مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو، وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب، فالمقام الأول هو الفرار وهو قوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) والمقام الثاني وهو الاستقرار في حضرة الملك الجبار فهو قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم)
3 -ومنها: قال: أرباب الإشارات: لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن وأنت مأمور بمحاربتهما قال تعالي في العدوالظاهر: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} {التوبة: 29} وقال في العدوالباطن: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} {فاطر: 6} فكأنه تعالى قال: إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك المَلََك -بفتح اللام- كما قال تعالى"يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ" {آل عمران: 125} .
وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك المَلِك -بكسر اللام- كما قال تعالي {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} {الحجر: 42} وأيضًا فمحاربة العدوالباطن أولى من محاربة العدوالظاهر لأن العدوالظاهر إن وجد فرصة ففي متاع الدنيا والعدوالباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين وأيضًا العدوالظاهر إن غَلََبنا كنا مأجورين أما العدو الباطن إن غَلبنا كنا مفتونين، وأيضا من قتله العدوالظاهر كان شهيدًا ومن قتله العدوالباطن كان طريدًا، فكان الاحتراز من العدو الباطن أولى
(1) - القرطبي (1/ 87 - 88)
(2) - القرطبي (1/ 86)