وذلك لا يكون إلا بأن يقول الرجل بقلبه ولسانه"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
4 -ومنها: إن نظرت إلى قصة أبيك آدم فإن الشيطان أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة، وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يُضلك ويغويك فقال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} {سورة ص: 82، 83} فإذا كانت هذه معاملته مع أنه قد أقسم أنه من الناصحين فكيف تكون معاملته مع أنه أقسم أنه يضل ويغوي؟!
5 -ومنها: لما قال العبد"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"دل ذلك على أنه لا يرضي بأن يجاور الشيطان وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاص وعصيانه لا يضر المسلم في الحقيقة فإذا كان العبد لا يرضي بجوار العاص فبأن لا يرضي بجوار عين المعصية أولى.
6 -ومنها: لقائل أن يقول: " لِم لمْ يقل: أعوذ بالملائكة مع أن أدون مَلك من الملائكة يكفي في دفع الشيطان. فما السبب في أن جعل ذكر هذا الملعون في مقابلة ذكر الله - تعالى -؟ وجوابه كأنه تعالي يقول: عبدي إنه يراك وأنت لا تراه بدليل قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} {الأعراف: 27} وإنما نفذ كيده فيكم لأنه يراكم وأنتم لا ترونه، فتمسكوا بمن يري الشيطان والشيطان لا يراه، وهو الله سبحانه وتعالي فقولوا"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم""
7 -ومنها: الشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد، فحكم عليه بكونه بعيدًا وأما المطيع فقريب قال الله تعالي {واسْجُدْ واقْتَرِب} {العلق: 19} ، والله قريب منك: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} {البقرة: 186} وأما الرجيم: فهو المرجوم بمعني كونه مرميًا بسهم اللعن والشقاوة.
وأما أنت فموصول بحبل السعادة قال الله تعالي: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} {الفتح: 26} فدل هذا على أنه جعل الشيطان بعيدًا مرجومًا، وجعلك قريبًا موصولًا، ثم إنه تعالى أخبر أنه لا يجعل الشيطان الذي هو بعيدٌ قريبا لأنه تعالي قال: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} {فاطر: 43} فاعرف أنه لما جعلك قريبًا فإنه لا يطردك ولا يبعدك عن فضله ورحمته.
8 -ومنها: كأنه تعالي يقول: إنه شيطان رجيم، وأنا رحمن رحيم فابعد عن الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم. ا هـ [1]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - التفسير الكبير للفحر الرازي [حـ 1 - 91: 95] بتصرف يسير