جعلت للإمساك غايةً مبهمة فجاءت السنة وبيَّنت تلك الغاية. وقيل: بل الآية منسوخة بالآية الثانية من سورة النور وهي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .
والجواب: أن السُّنة من حيث علاقتها بالقرآن على أربعة أنواع [1] :
النوع الأول: بيان التقرير:
وهو أن تأتي السنة بحكم موافق ومطابق للحكم الوارد في القرآن, مساوٍ له في المعنى ولم تزد عنه, سواء كانت قولية أم فعلية.
فالقولية: كأمر النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بصيام رمضان وإتمام الحج وصلة الأرحام والوصية بالوالدين وبالجار وباليتامى وبالنساء وغير ذلك مما يوافق ما جاء في القرآن ويطابقه.
والفعلية: أن الله أمر في الوضوء بغسل الوجه , والكفين إلى المرفقين, ومسح الرأس, وغسل الرجلين إلى الكعبين, ففعل النبي ذلك امتثالًا لأمر الله تعالى, وتعلم الصحابة منه ذلك.
النوع الثاني: بيان التفسير:
ومن الأمثلة على ذلك:
1 -أن يأتي الحكم أو القول في القرآن مجملاَ, لا يُدرى المراد منه تفصيلًا, فتأتي السنة فتبين التفصيل. ومثال ذلك أن الله تعالى أمر بالصلاة ولكن لم يبين عدد الصلوات , ولا عدد الركعات, ولا كيفياتها, ولا أوقاتها ,ولا كل شروطها, فجاءت السنة ببيان كل ذلك وتفصيله, وكذلك جاءت بتفصيل أحكام الزكاة ومناسك الحج وغير ذلك مما جاء مجملًا غير مفصلٍ في القرآن.
2 -ومنه ما جاء في القرآن عامًا فخصصته السّنة كالحديث - الذي في الصحيحين وغيرهما- الذي يبين أن الظلم المراد في قوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] ليس على عمومه كما فهم بعض الصحابة بل المراد به الشرك كما بينه لهم النبي صلى الله عليه وسلم.
3 -ومنه تقييد المطلق كالأحاديث التي بينت المراد من اليد [2] في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] أنها اليد اليمنى وتقطع من الكف, ولا تقطع إلا فيما كان محرَّزًا وقيمته ربع دينار فصاعدًا, وقد روى
(1) -أنظر: الواضح في أصول الفقه للأشقر (ص:88 - 90) والحديث والمحدثون (ص:38 - 45) لمحمد أبو زهو
(2) - أنظر تفصيل ذلك بأدلته في السنن الكبرى (8/ 253 - 282) للبيهقي (كتاب السرقة جماع أبواب القطع في السرقة)