فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 142

نخصك وحدك بالعبادة، ونطلبُ منك وحدك المعونة على جميع أمورنا.

(إيَّاك) : لفظ «إيَّا» ضمير منفصل، و «الكاف» الملحقة به للخطاب.

(إيَّاك نعبد) أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع. وسُمي العبدُ عبدًا لذلته وانقياده، يقال: طريق مُعبَّد أي مذلل.

(إيَّاك نستعين) : نطلب معونتك، فالاستعانة: طلب المعونة من أجل الاقتدار على الشيء والتمكن من فعله [1] .

-لطائف في معنى الآية:

1 -أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ. فَالنَّفْيُ: خَلْعُ جَمِيعِ الْمَعْبُودَاتِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ. وَالْإِثْبَاتُ: إِفْرَادُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَحْدَهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى النَّفْيِ مِنْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِتَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ الَّذِي هُوَ (إِيَّاكَ) وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فِي مَبْحَثِ دَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ. وَفِي الْمَعَانِي فِي مَبْحَثِ الْقَصْرِ: أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ مِنْ صِيَغِ الْحَصْرِ. وَأَشَارَ إِلَى الْإِثْبَاتِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (نَعْبُدُ) [2] .

2 -إذًا قدم- سبحانه- المعبود على العبادة فقال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ، لإفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص ..

وأيضًا: الابتداء بذكر المعبود أتم من الابتداء بذكر صفته - التي هي عبادته واستعانته - وهذه الصيغة أجزل في اللفظ، وأعذب في السمع.

والعبادة تشير إلى بذل الجهد والمنة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمنة. فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد.

في العبادة وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه، والعبادة ظاهرها تذلل وحقيقتها تعزز وتحمل:

وإذا تذللت الرقاب تقربًا ... منا إليك فعزها في ذلها [3] .

وقال القرطبي"وأيضًا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود. أهـ [4] "

(1) - انظر: تفسير البغوي (1/ 75) والتفسير الوسيط للطنطاوي (1/ 21)

(2) -أضواء البيان للشنقيطي (1/ 7)

(3) - لطائف الإشارات حـ 1 ص 48 - 49 بتصرف

(4) - تفسير القرطبي (1/ 145)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت