إلى معانٍ أخرى يصيرها خيالية لا واقع لها، وهذا التأويل معارض لصريح الآيات القاطعة التي تدل على أن لها واقعًا تاريخيًا.
رابعًا: أن يستند التأويل إلى دليلٍ صحيحٍ يدل على صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله، لأن الأصل هو العمل بالظاهر، إلا إذا قام دليل على أن المراد باللفظ هو المعنى الذي حمل عليه، فالعام مثلا على عمومه، ولا يقصر على بعض أفراده إلا بدليل، والمطلق على إطلاقه، ولا يعدل عن إطلاقه الشائع إلى تقييده إلا بدليل يدل على إرادة هذا القيد، وظاهر الأمر الوجوب فيعمل به حتى يقوم الدليل على الندب أو الإرشاد أو غيرهما، والنهي ظاهره التحريم، فيعمل به حتى يدل الدليل على العدول عنه إلى الكراهة مثلًا. ويشترط في الدليل أن يكون صحيحًا مُعتبرًا شرعًا من كتاب أو سنة أو إجماع، ويرشد إلى تحديد إرادة الشارع في النصوص المتعارضة.
-يوجد تقسيمان للعلماء في ذلك:
الأول: تقسيم العلماء المتقدمين: فقسَّموا التفسير إلى ثلاثة أقسام كالتالي:
1 -التفسير بالرواية أوالتفسير بالمأثور.
2 -التفسير بالدراية أوالتفسير بالرأي.
3 -التفسير بالإشارة (أوالإشاري) .
الثاني: تقسيم بعض العلماء المتأخرين وهو كالتالي.
1 -التفسير التحليلي.
2 -التفسير الإجمالي.
3 -التفسير المقارن.
4 -التفسير الموضوعي.
• ولنذكر كل قسم من هذه الأقسام بشيء من التفصيل والتوضيح:
** التفسير بالمأثور:
يشمل التفسير المأثور: 1 - ما جاء في القرآن نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، لأنه قد يَرِدُ إجمال في آية تبيّنه آية أخرى، وإبهام في آية توضّحه آية أخرى، وهكذا [1] .
(1) - ويدخل في مصطلح تفسير القرآن بالقرآن ما يلي:
أ- الآية المخصصة لآية عامة:
ورد لفظ الظلم عامًا في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] . وقد خصّه الرسول صلى الله عليه وسلم بالشرك، واستدل له بقوله تعالى: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
ـ وفي قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا} [الإسراء: 24] .عموم يشمل كل أبٍ: مسلم أوكافر، وهو مخصوص بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى} [التوبة: 113] .فخرج بهذا الاستغفار للأبوين الكافرين، وظهر أن المراد بها الأبوان المؤمنان.
ب- الآية المبيّنة لآية مجملة:
ـ أجمل الله القدر الذي ينبغي إنْفَاقُهُ في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] ، وبين في مواضع أخر: أن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد عن الحاجة وسدّ حاجة الخَلّة التي لابد منها، وذلك كقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ} [البقرة: 219] والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لابدّ منها، على أصحّ التفسيرات، وهو مذهب الجمهور.
ـ وفي قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة: 1] ، إجمال في المتلو، وقد بيّنه قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب} [المائدة: 3] .
ج- الآية المقيدة لآية مطلقة:
ـ أطلق الله استغفار الملائكة لمن في الأرض، كما في قوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُون لِمَن فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5] ، وقد قيّد هذا الإطلاق بالمؤمنين في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] .
ـ وفي قوله تعالى: {إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران: 90] ، إطلاق في عدم قبول التوبة، وهو مقيّد في قول بعض العلماء بأنه إذا أخّروا التوبة إلى حضور الموت، ودليل التقييد قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 14] .
د- تفسير لفظة غريبة في آية بلفظة أشهر منها في آية أخرى:
ورد لفظ «سِجّيل» في قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُود} [هود: 82] ، والممطر عليهم هم قوم لوط (عليه الصلاة والسلام) ، وقد وردت القصة في الذاريات وبان أن المراد بالسجيل: الطين، في قوله تعالى: {قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ*لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذاريات: 32، 33] (15) . ومثل تفسير «الطارق» في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق: 1] بقوله تعالى في نفس السورة: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 3]
هـ- تفسير معنى آية بآية أخرى:
التسوية بالأرض في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ} [النساء: 42] ، يراد بها: أن يكونوا كالتراب، والمعنى: يودّون لو جُعِلوا والأرض سواءً، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: {وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ: 40] (16) . (مستفاد من: مصادر التفسير لمساعد بن سليمان الطيار)