فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 142

الشرع على تخصيص العام في كثير من نصوصه [1] ، مثل قصر الوجوب في كلمة (الناس) في قوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران:97] على المكلفين، دون الصبيان والمجانين. كذلك تقييد المطلق [2] ، جرت به عادة الشرع، واللغة لا تأباه، فقد قام الدليل على تقييد (الوصية) المطلقة في قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11] بالثلث في قوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:"الثُّلُثُ, وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ, إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" [3] .

العام إذا صرف عن العموم، وأريد به بعض أفراده بدليل، فهو تأويل صحيح، لأن العام يحتمل الخصوص، وحين يراد به بعض أفراده، فقد أُوِّلَ إلى معنى يحتمله. والمطلق إذا صرف عن الشيوع، وحمل على المقيد بدليل فهو تأويل صحيح.

أما إذا كان المعنى الذي صرف إليه اللفظ من المعاني التي لا يحتملها اللفظ نفسه، ولا يدل عليها وجه من وجوه الدلالة، فلا يكون التأويل صحيحًا مقبولًا.

وعلى هذا، فإن التأويل لا يدخل في النصوص الدالة على أحكام أساسية تعتبر من العقائد وقواعد الدين، ولا تتغير بتغير الزمن: كالإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وكذلك النصوص الدالة على أحكام هي من أمهات الفضائل، وقواعد الأخلاق التي تقرها الفطر السليمة، ولا تستقيم حياة الأمم بدونها كالوفاء بالعهد، والعدل، وأداء الأمانة، والمساواة أمام الشريعة وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والصدق، والنصوص التي تحرم أضدادها من: الكذب، والخيانة، وعقوق الوالدين، والنصوص التي اقترن بها ما يفيد التأبيد وغيرها من القواعد الأساسية، التي لا تحتمل تأويلًا ولا نسخًا، منذ أوحي بالنصوص التي تقررها.

ثالثًا: أن لا يتعارض التأويل مع نصوص قطعية الدلالة، لأن التأويل منهج من مناهج الاستدلال والاستنباط الاجتهادي الظني، والظني لا يقوى على معارضة القطعي، كتأويل القصص الوارد في القرآن الكريم، بصرفها عن معانيها الظاهرة

(1) - العام: هو اللفظ الذي يستغرق جميع ما يصلح له من الأفراد، وتخصيص العام: هو قصر اللفظ على بعض أفراده، أو صرف العام عن عمومه. انظر: د. وهبة الزحيلي/أصول الفقه الاسلامي، (2/ 243، 254)

(2) - المطلق: هو اللفظ الخاص الذي يدل على فرد شائع أو أفراد على سبيل الشيوع، ولم يتقيد بصفة من الصفات، كقوله تعالى في آية الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [سورة المجادلة:3] والرقبة واقعة على صفات متغايرة، من كفر، وإيمان، وذكورة، وأنوثة، وصغر، وكبر. أما المقيد: فهو اللفظ الواقع على صفات قيد ببعضها، كقوله تعالى في كفارة القتل {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [سورة النساء:92] ، فاسم الرقبة: واقع على المؤمنة والكافرة، فلما قيدها هنا بالإيمان، كان مقيدا من هذا الوجه. انظر د. وهبة الزحيلي: أصول الفقه: (1/ 208 - 254) .

(3) - رواه البخاري (1233) وغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت