أما التأويل في أصول الفقه فيعنون به صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنىً آخر لدليل يقترن به لاستحالة حمل اللفظ على ظاهره شرعًا وعقلًا. قال ابن تيمية"التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدِّثة والمتصوفة ونحوهم: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف .. .أهـ [1] ("
وقد يطلق على التفسير أيضًا: المعنى؛ فالفراء ـ مثلًا ـ سمى تفسيره"معاني القرآن"، وسئل أبو العباس أحمد بن يحيى عن التأويل فقال: التأويل والمعنى والتفسير واحد، وقال مثل هذا ابن الأعرابي [2] (
وروى عن ابن مسعود أنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن [3] .
فائدة:
قرر علماء الشريعة أن الأصل في النصوص الشرعية- قرآنًا وسُنَّة - هو المعنى الظاهر من هذه النصوص وعدم تأويلها إلى معني يخالف الظاهر، إذ التأويل خلاف الأصل، ولا يعدل عن الأصل إلى خلافه إلا بدليل. وعلى هدي من هذا الأصل، وحفاظا على نصوص الشريعة من نزعات الهوى وضعوا شروطًا للتأويل، ولم يعتبروا التأويل صحيحًا مقبولًا إلا بتوفر هذه الشروط، وإلا فهو تأويل فاسد مردود. ومن أهم هذه الشروط، ما يلي [4] :
أولًا: أن يكون المتأول ممن توفرت فيه شروط الاجتهاد، عالمًا بأسباب التأويل ومجالاته، ملمًا بمدلولات الألفاظ، ومقاصدها، عالمًا بروح الشريعة الإسلامية وأدلتها، وله دراية بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.، فإن فقد هذا الشرط في المؤول، لم يكن أهلًا للتأويل.
ثانيًا: أن يكون المعنى الذي أوّل إليه اللفظ، من المعاني التي يحتملها اللفظ نفسه، وإنما يكون اللفظ قابلا للمعنى الذي يُصرف إليه إذا كان بينه وبين اللفظ نسب من الوضع اللغوي، أو عرف الاستعمال أو عادة الشرع ... فقد جرت عادة
(1) - دقائق التفسير من تفسيرالإمام ابن تيمية ص:109 - 110 وقال الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسين (ت 606) في كتابه أساس التقديس ص:222: - (التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح، مع قيام الدليل القاطع عن أن ظاهره محال) ونلحظ عند الرازي أن التأويل (الذي بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره) لا يلجأ إليه إلا إذا دعت الحاجة، واستحال قبول المعنى الظاهر.
(2) - راجع لسان العرب، مادتى"فسر"و"أول".
(3) - انظر تفسير الطبري (1/ 80) .
(4) -انظر: الشاطبي/الموافقات، (4/ 105 - 118) . ود. محمد سلام مدكور/ المدخل للفقه الإسلامي، ص 286 - 291. - د. محمد أديب الصالح: تفسير النصوص (1/ 381) .
د. محمد فتحي الدريني/ المناهج الأصولية، ص 76 - 77، والشوكاني/ إرشاد الفحول ص 177